في ليلة شتوية من ليالي العاصمة، راهنت وزارة الثقافة التونسية على الذاكرة أكثر مما راهنت على المفاجأة حيث احتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي مساء 11 فيفري 2026، عرضًا
موسيقيًا بعنوان “MyFavourites”، وهي عبارة إنقليزية تُترجم إلى العربية بـ«مفضّلاتي» أو «مختاراتي الأقرب إلى قلبي»؛ عنوان يشي بأن السهرة ستسير في درب الوفاء واستعادة الجميل.
الركح امتلأ بسبعين عازفًا من الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة المايسترو يوسف بلهاني، في مشهد أوركسترالي مهيب يُظهر المكانة الكبيرة للفرقة الموسيقية. كما شارك في الحفل واحد وعشرون مطربًا من مختلف الأجيال، في لوحة موسيقية متجانسة حاولت أن تختصر مسارات متعددة في أمسية واحدة.
المطرب محمد الجبالي
اسماء عديدة تعاقبت على الركح من بينها: شكري بوزيان، نجاة عطية، محمد الجبالي، ألفة بن رمضان، حسين العفريت، سفيان الزايدي، نور شيبة، مهدي العياشي، أحمد الرباعي، حاتم نوردين، أيمن لسيق، أنيس لطيف، رامي خليل، ريان يوسف، مريم نور الدين، مهدي بكوش، نجوة عمر، فهمي الرياحي، أمل الشريف، شيماء محمود، حاتم القروي… أصوات تمثل أجيالًا مختلفة، اجتمعت في تناغم موسيقي متنوع يعكس ثراء المشهد الغنائي التونسي.
وشهدت السهرة لحظة وفاء خاصة تمّ خلالها تكريم الفنان والموزّع سامي المعتوقي، في التفاتة تقدير لمسيرة فنية تركت أثرها في عديد الأعمال الموسيقية التونسية. وجاءت هذه اللفتة ضمن سياق أمسية احتفت بالذاكرة الغنائية وأعادت تقديم مختارات راسخة في وجدان الجمهور.
وكانت للفنانة سعاد محاسن – أطال الله في أنفاسها – مساحة وفاء أخرى، حيث حضر صوتها عبر فيديو تضمن مقاطع من أغانيها التراثية. لحظة امتزج فيها الحنين بالتقدير، وأكدت أن بعض الأصوات لا تغيب حتى وإن ابتعد أصحابها عن الركح.
تقنيًا، كان العرض ضخمًا: تجهيزات صوتية متطورة، إضاءة مدروسة، وتنظيم يعكس مجهودًا واضحًا. لكن فنيًا، ظلّ السؤال قائمًا. الأغاني المقدّمة كانت في مجملها قديمة، ومألوفة لدى الجمهور، وقُدّمت سابقًا في عديد العروض التونسية، وهي من توزيع الفنان المكرّم سامي المعتوقي. لم تحمل السهرة عناصر أو مواضيع جديدة، ولم تُغامر بإعادة قراءة جريئة لتلك الأعمال.
الجمهور توافد بأعداد كبيرة، لتكتظ القاعة بالحضور. بدا وكأن الحضور جاء بدافع المحبة والوفاء، لا بدافع الدهشة. التصفيق كان حاضرًا، لكنه لم يكن صاخبًا؛ الحماس موجود، لكنه لم يتحول إلى حالة جماعية.
فبين ضخامة الإنتاج وغياب التجديد، بدت “My Favourites” سهرة عادية لكنها محترمة في نواياها، احتفت بالذاكرة وبأحد صانعيها، لكنها في الآن ذاته طرحت سؤالًا أعمق:و هو هل يكفي أن نستعيد ما نحب، أم أن الفن الحقيقي يبدأ حين نجرؤ على تجديده.