في قلب مدينة صفاقس القديمة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة والأروقة، يقف الجامع الكبير شامخًا، شاهدًا صامتًا على اثني عشر قرنًا من التاريخ. إنه أكثر من مجرد مكان للعبادة، إنه نقشٌ حجريٌّ في الهواء الطلق، نقشت عليه كل حضارة مرت بالمدينة فصلًا من تاريخها، تاركةً بصمةً لا تُمحى في الذاكرة الجماعية.
البدايات الأغالبة – الحجر الأول
تأسس الجامع الكبير عام 849، في عهد الأمير الأغالب أبو العباس محمد بن الأغالب، كجزء من مشروع التخطيط العمراني الضخم الذي ميّز المغرب العربي آنذاك. لم يكن الجامع الوحيد الذي شكّل جزءًا من هذا الإرث؛ فقد بنى الأغالبة سابقًا جامع عقبة في القيروان، والذي كان نموذجًا لجميع المباني اللاحقة.
اختار المعماريون موقعًا في قلب المدينة المحصنة، عند ملتقى الأماكن الدينية والتجارية، لأن المسجد في المدينة الإسلامية الكلاسيكية كان جزءًا لا يتجزأ من السوق والحياة اليومية.
ومن اللافت للنظر أن بناة المسجد الأوائل لم يترددوا في استخدام مواد من حضارات سابقة. فقد استُخدمت أعمدة رومانية، تم استخراجها من مواقع أثرية قريبة مثل طبرقة، في قاعة الصلاة كدعامات للأقواس. يشبه هذا الفعل استيلاءً رمزيًا: حضارة جديدة تستلهم من أرض سكنتها حضارات أقدم، وتعيد تفسير تراثها المادي ضمن سياق روحي مختلف.
المئذنة – أقدم صوت في المدينة
تُعد مئذنة الجامع الكبير من أقدم المآذن في شمال إفريقيا. ويجسد تصميمها العمود المربع المميز للعمارة الأموية، التي امتدت من الشرق إلى المغرب العربي، مرورًا بالأندلس والقيروان. يعلوها طبقاتٌ تتناقص ارتفاعاتها تدريجيًا حتى تصل إلى قبةٍ مزخرفة،
وكأنها ترمز إلى صعود الأرض إلى السماء. وعلى مرّ القرون، حافظت المئذنة على بنيتها الأساسية، رغم عمليات الترميم المتعددة، مما يجعلها اليوم من أندر الكنوز المعمارية في المنطقة.
أعمدة حجرية وعصور متداخلة
داخل قاعة الصلاة، تصطف الأعمدة في صفوف منتظمة، حاملةً أقواسًا على شكل حدوة حصان تتقارب باتجاه المحراب. سيكتشف المتأمل تنوعًا زمنيًا ملحوظًا في هذه الأعمدة: فبعضها روماني الأصل، يحمل نقوشًا لاتينية أو بونية لا تزال ظاهرة، بينما نُحتت أخرى خلال فترات إسلامية لاحقة، ولا تختلف كثيرًا في شكلها عن الأعمدة الأقدم. هذا التداخل الصامت بين حضارات تفصل بينها قرون يمنح المكان طابعه الفريد: أحجارٌ تنطق بلغاتٍ عديدة لمن يُحسن الإصغاء.
من الزيريين إلى الحفصيين – عصر ازدهار
في القرن الحادي عشر، وسّع الزيريون المسجد الكبير، مما عكس نمو المدينة وتزايد عدد سكانها. ثم جاء الحفصيون بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر، مسجلين
ذروة ازدهار صفاقس الثقافي. خلال هذه الفترة، أصبحت المدينة مركزًا للتجارة البحرية، يرتادها التجار من مختلف أنحاء البحر الأبيض المتوسط. وشهد الجامع الكبير ازدهارًا فكريًا ملحوظًا، حيث استضاف حلقات دراسية في الفقه والنحو وعلم الكلام. وحضر طلاب من المغرب والمشرق قاعاته. وكانت مكتبته، التي تضم مخطوطات نادرة في مختلف مجالات المعرفة، أداة أساسية لهذا النشاط الفكري.
العصر العثماني – طبقة جديدة على الأسوار القديمة
مع انضمام صفاقس إلى الدولة العثمانية في القرن السادس عشر، أُضيفت عناصر معمارية مميزة لهذه الفترة إلى المسجد، لا سيما في زخارفه وبعض تفاصيله الخطية. مع ذلك، تعامل المعماريون العثمانيون مع الموقع بعناية واحترام، فلم يمحوا التراث القديم، بل أضافوا إليه طبقة جديدة تعكس كيف يُغيّر الزمن كل شيء حي. وشهدت هذه الفترة أيضًا إعادة تنظيم فناء المسجد وتجديد بعض نوافيره ومراحيضه.
المدينة القديمة والمسجد – علاقة تكاملية
لا يمكن فهم الجامع الكبير بمعزل عن المدينة القديمة المحيطة به، فالعلاقة بين المسجد والأسواق المجاورة علاقة عضوية وتكاملية. سوق الربع وسوق الكامور، بالإضافة إلى الأزقة المتفرعة منهما، تُشكّل معًا نظامًا حضريًا متكاملًا، حيث يؤدي كل عنصر وظيفته في حوار دائم مع العناصر الأخرى. عندما تقف في الفناء الداخلي وتستمع إلى أصداء السوق المتدفقة من بين الجدران، تُدرك أن هذا التصميم يربط العلاقة بين الجامع وما يحط به.