المرأة التونسية… مسار تاريخي من التحرر إلى الريادة.
Baha
يوم واحد مضت
وطنية
116 زيارة

المرحومة الدكتورة توحيدة بالشيخ


بقلم صحفية الموقع
شيماء اسماعيلي
في كل عام، يحلّ اليوم العالمي للمرأة ليكون مناسبة عالمية للاعتراف بعطاء النساء ودورهن في ازدهار المجتمعات. وفي تونس يكتسب هذا الموعد بعداً مميزاً، إذ عرفت المرأة التونسية حضوراً بارزاً في مجالات المعرفة والثقافة والرياضة والعمل الاجتماعي، حتى أصبحت مثالاً يُحتذى به في المنطقة.
منذ إصدار مجلة الأحوال الشخصية التونسية سنة 1956، دخلت البلاد مرحلة جديدة في مسار تكريس كرامة المرأة. فقد أرسى هذا الإصلاح القانوني مبادئ متقدمة من بينها منع تعدد الزوجات وإقرار حقوق أوضح في الطلاق ورعاية الأبناء، الأمر الذي ساهم في تعزيز مشاركة النساء في الحياة العامة وجعلهن شريكات حقيقيات في التنمية.
وقد أنجبت تونس عبر تاريخها شخصيات نسائية تركت بصمة واضحة في ميادين متعددة. فهذه الأرض عرفت طبيبات وعالمات وفنانات ورياضيات حملن اسم الوطن إلى المنابر الدولية، إلى جانب آلاف النساء العاملات في الحقول والمصانع والمؤسسات اللواتي يساهمن يومياً في دفع عجلة الاقتصاد.
من أبرز تلك الشخصيات الطبيبة الرائدة توحيدة بن الشيخ التي تُعد أول طبيبة تونسية ومن أوائل الطبيبات في شمال إفريقيا. درست الطب في جامعة باريس وتخرجت سنة 1936، ثم كرّست مسيرتها لخدمة صحة النساء والأطفال. أسهمت جهودها في تطوير خدمات الصحة الإنجابية ونشرت الوعي الطبي، فغدت رمزاً للمرأة التي تخترق ميادين العلم بثبات.

الدكتورة ليليا زخامة
وفي صفحات التاريخ نجد أيضاً شخصية أروى القيروانية المرتبطة بحادثة “زواج القيروان”، حين اشترطت في عقد زواجها من الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور الالتزام بالزواج الأحادي. وقد اعتُبر ذلك الشرط سابقة تاريخية تؤكد مكانة المرأة وحقها في الدفاع عن كرامتها داخل المجتمع الإسلامي المبكر.
أما في الميدان الرياضي، فقد لمع اسم لاعبة التنس العالمية أنس جابر التي بلغت المركز الثاني في التصنيف العالمي سنة 2022 ضمن رابطة محترفات التنس WTA، لتصبح أعلى لاعبة عربية وإفريقية ترتيباً في تاريخ اللعبة. بفضل مثابرتها وموهبتها تحولت إلى مصدر إلهام لآلاف الفتيات الطامحات إلى التألق في الرياضة.
وفي الرياضة البارالمبية برزت البطلة روعة التليلي التي حققت إنجازات استثنائية في منافسات رمي الجلة والقرص، إذ أحرزت عدة ميداليات ذهبية في دورات الألعاب البارالمبية منذ عام 2008. قصتها مثال حيّ على قدرة الإنسان على تحويل التحديات إلى نجاحات ملهمة.

البطلة العالمية روعة التليلي
كما صنعت العداءة حبيبة الغريبي تاريخاً جديداً حين أصبحت أول تونسية تعتلي منصة التتويج الأولمبية، بعد فوزها بذهبية سباق 3000 متر موانع في الألعاب الأولمبية لندن 2012 إثر إعادة ترتيب النتائج. وقد عززت هذا الإنجاز بفوزها ببطولة العالم سنة 2011، مما جعلها نموذجاً للإصرار الرياضي.
وفي مجال البحث الطبي يبرز اسم الأستاذة ليليا زخامة، المتخصصة في أمراض القلب بجامعة تونس المنار، حيث ساهمت في دراسات علمية عديدة وأسهمت في تطوير التعليم الطبي. كما تولت مسؤوليات أكاديمية وإعلامية علمية، ما يعكس الدور المتنامي للنساء في البحث والابتكار.
ولا تقتصر إشراقة المرأة التونسية على هذه الأسماء فقط، فهناك أيضاً شخصيات بارزة مثل مفيدة التلاتلي أول امرأة تتولى وزارة في البلاد، ورجاء بن سلامة الباحثة والمفكرة المعروفة في الدراسات الفكرية، ومروى العامري بطلة المصارعة العالمية. هذه النماذج تؤكد تنوع مجالات الإبداع النسائي في تونس.
ذ
اللاعبة المتألقة أنس جابر
إلى جانب هذه الوجوه المعروفة، تظل آلاف النساء العاملات في الأرياف والورشات والمؤسسات ركناً أساسياً في الاقتصاد الوطني. فالفلاحات والعاملات يواصلن العطاء بصمت، ويساهمن في توفير الغذاء ودعم الإنتاج.
وهكذا تتجلى صورة المرأة التونسية باعتبارها قوة فاعلة في المجتمع، تجمع بين الإرث الحضاري والطموح الحديث. ومع كل احتفال باليوم العالمي للمرأة، تتجدد الإشادة بمسيرتها الغنية، وبالدور الذي تؤديه في بناء وطن يسوده التقدم والكرامة والمساواة.