الفن التشكيلي مجال ابداع و بحث وفق أسئلة الذات حيث الذهاب الى جواهر الأشياء استكناها و تقصدا للكامن في الذات من نظر و حلم و تأويل تجاه الواقع بما ينطوي عليه من عناصر و أشياء تطرح خصوصياتها الطبيعية و الجمالية الدالة على الأهمية و القيمة قولا بالقراءة و التفحص ..انها سيرة الفن في كونه الترجمان و المحيل الى عوالم من دهشة الحال و ما يحف بها من ممكنات هي العبارة في تجلياتها و ابداعيتها بعين فنان ..هي عين القلب لا عين الوجه.. وهنا يبرز التجريب كعنصر متحرك في الذات الفنانة يأخذها الى مناطق من التخييل و الابتكار مرورا الى أطوار باحثة عن بناها المتجددة فس سرديات مختلفة ..و في هذا السياق يمكن النفاذ الى تجربة الفنانة الدكتورة ضحى علية التي سعت في تمشيها الجمالي الى الاشتغال على تعبيرية فنية
مخصوصة فيها الكثير من الافصاح عن ممكنات العلاقة بين الفن التشكيلي و فن آخر يشترك معه في جمالية بينة و هو الفن السينمائي حيث الصورة و المشهدية الجمالية . تجربة سنوات تقول عنها صاحبتها ضحى علية التي تعددت معارضها الفنية بين جماعية و شخصية منها مشاركتها مؤخرا مع فنانين و فنانات في رواق بباريس و ضمن عنوان ” اشراقة تونسية ” كما نجد لها مشاركات علمية و فكرية عبر مداخلات في اختصاصها الفني و ذلك في ملتقيات معنية بالفن و جوانبه الابداعية و الأكاديمية. و عن مسارها الجمالي هذا تقول الفنانة ضحى التي تدرس بالمعهد العالي للفنون و الحرف بمدينة سليانة شمال البلاد التونسية “…تميّزت تجربتي الفنية بالتفرّد والتنوّع، حيث سعيتُ جاهدة إلى استكشاف مختلف التقنيات الفنية، بدءًا من التقنيات التقليدية مثل الرسم والحفر والتصوير الفوتوغرافي، وصولًا إلى التقنيات المعاصرة والحديثة.
وفي أعمالي الأخيرة، حاولت المزج بين هذه التقنيات المختلفة، إيمانًا مني بأن هذا التداخل يساهم في خلق ثراء بصري وتقني ومفاهيمي أعمق. كما أسعى دائمًا إلى البحث التشكيلي في مجال العلم المرئي، لما ينطوي عليه من غموض ودلالات مفتوحة تتيح إمكانات واسعة للتأويل والتجريب، وتشكل فضاءً خصبًا للتعبير الفني…أهتمّ بموضوع التهجينات والتداخلات الفنية، ولا سيّما تجلياتها في مجال الفنون البصرية والسينما. يندرج بحثي ضمن تفكير نظري وجمالي حول الانتقال من الصورة التشكيلية إلى الصورة السينمائية، متخذًا من أعمال فنسنت فان غوخ مرجعًا أساسيًا، باعتبار أن لغته التشكيلية تمثّل مجالًا خصبًا للتجريب والتفاعل بين الفنون. في إطار أطروحتي، اشتغلتُ على التداخلات الفنية بين الرسم والسينما، من خلال تحليل الكيفيات التي يتمّ بها استملاك لغة فان غوخ التشكيلية وتحويلها وتحريفها داخل كتابة سينمائية معاصرة.
ولا يتعلّق الأمر بمجرد اقتباس أو تمثيل للوحات، بل بعملية ترجمة جمالية عميقة، تتحوّل فيها اللمسة اللونية، والمادة، والإيقاع التشكيلي إلى عناصر بنيوية في السرد السينمائي. أعتمدُ في هذا السياق على التجربة الفيلمية لكلٍّ من دوروتا كوبييلا وهيو ويلشمان، ولا سيّما فيلم Loving Vincent، الذي يقترح مقاربة فريدة للوثائقي المتحرّك. فمن خلال تقنية تقوم على رسم كل لقطة من لقطات الفيلم يدويًا بأسلوب فان غوخ، يقدّم المخرجان شكلًا من السينما التشكيلية، حيث تندمج الصورة السينمائية مع اللوحة المتحركة. وهكذا يصبح الفيلم فضاءً للتهجين، تكتسب فيه اللوحة بعدًا زمانيًا وحركيًا خاصًا بالسينما. أحلّل هذه التجربة بوصفها شكلًا من التداخل الفني، حيث يدخل نسقان جماليّان مستقلّان — الرسم والسينما — في علاقة تفاعل وتراكب وتحويل متبادل. فالفيلم لا يكتفي بتمثيل أعمال فان غوخ، بل يقوم بـ إعادة تفعيلها ومنحها مادّية جديدة وأفقًا مختلفًا للتلقي.
ويمكن النظر إلى هذه العملية بوصفها نوعًا من بعث جديد للعمل الفني، ينتقل فيه من الفضاء المتحفي إلى جهاز سينمائي غامر. ويقودني هذا البحث إلى طرح جملة من الإشكالات النظرية الأساسية، من بينها مسألة تحوّل العمل الفني عبر الاقتباس، وإعادة النظر في مفهوم المؤلف، وتحولات وضعية الصورة بين ثباتها التشكيلي وحركتها السينمائية، إضافة إلى دور التقنيات المعاصرة في إعادة تشكيل الممارسات الفنية. ومن خلال هذه الدراسة، أُبيّن أن التداخلات الفنية لا تقتصر على تقاطعات شكلية فحسب، بل تشكّل فضاءات حقيقية للإبداع وإعادة ابتكار اللغات الفنية. وتغدو أعمال فان غوخ، في هذا الإطار، مجالًا تجريبيًا مميّزًا، يكشف قدرة السينما على استيعاب الذاكرة التشكيلية وتحويلها وإطالة أمد حضورها…”.