حفلات بلا مطرب… والجمهور يتكفّل بالغناء في سهرة طربية بامتياز.
Baha
يومين مضت
نجوم و فنون
117 زيارة


بالمرصاد نيوز – المسرح البلدي

متابعة و عدسة صحفية الموقع
شيماء اسماعيلي
الجمهور يغنّي… حين يتحوّل المتفرّج إلى نجم السهرة
اعتادت جماهير المهرجانات وقاعات العروض الموسيقية، منذ عقود، على ترديد الأغاني مع المطرب أو الفنان صاحب العمل، خاصة تلك الأعمال الخالدة والمعروفة التي رسخت في الذاكرة الجماعية ونالت إعجاب الجمهور. ولا تزال هذه العادة متواصلة إلى اليوم، لما تحمله من طاقة إيجابية وتفاعل حيّ ينعكس مباشرة على أجواء العرض، ويُحفّز الفنان على مزيد من التواصل والانصهار مع جمهوره.
هذا التفاعل المتبادل خلق، في كثير من الأحيان، حالة وجدانية خاصة جعلت الفنان نفسه يقع في غرام جمهوره وعشّاق الموسيقى. بل وتناقل في الكواليس وعلى سبيل الطرافة، أنّه من المفروض اقتسام “كاشي الحفل” بين الفنان والجمهور، باعتبار أن جزءًا كبيرًا من الأداء كان من نصيب الحاضرين الذين تحوّلوا إلى كورال جماعي متكامل. وهي مفارقة ساخرة تعبّر في العمق عن مكانة الجمهور كشريك أساسي في نجاح أي عرض فني.

المايسترو فتحي الجدي
وخلال الأشهر الأخيرة، لفت انتباه المتابعين بروز نمط جديد من العروض الموسيقية، يقوم كليًا على أداء الجمهور طيلة السهرة، دون حضور مطرب، مكتفيًا بمرافقة فرقة موسيقية يقودها مايسترو يتولى التنسيق بين العازفين والجمهور، الذي يتقمص دور المطرب بكل تلقائية وحماس. وقد شهد الموسم الصيفي الأخير تنظيم العديد من العروض على هذا المنوال، عكست تعطّش الجمهور لمثل هذا النوع من التجارب الفنية الجماعية.
ولعل العرض الذي واكبناه ليلة أمس، واحتضنه الفضاء العريق للمسرح البلدي، جاء ليؤكد المكانة المتنامية لهذه الظاهرة لدى عشّاق الطرب. سهرة موسيقية حملت عنوان «غنّيلي» أو بالأحرى «الجمهور يغنّي بقيادة المايسترو فتحي الجدي»، لاقت تفاعلًا لافتًا، وكان نجمها الأوحد بلا منازع هو الجمهور نفسه، الذي بعث أجواءً منعشة ومفعمة بالحياة داخل المسرح.

وقد أدّى الحاضرون باقة من الأغاني الجميلة والمعروفة، التي تحظى بإعجاب واسع، وجمعت بين مختلف الأنماط الموسيقية المختارة بعناية، من روائع الطرب الأصيل لعبد الحليم حافظ وسيدة الطرب العربي أم كلثوم، إلى الأغنية التونسية مع الهادي الجويني وعلي الرياحي. كما حضرت أجواء الربوخ والحضرة، وكان للتراث الغنائي التونسي نصيب وافر من هذه السهرة، ما منح العرض بعدًا متدادًا للذاكرة الموسيقية و وجدانيًا خاصًا.
الفرقة الموسيقية بدورها أبدعت في العزف، بقيادة المايسترو فتحي الجدي، الذي أحسن إدارة الإيقاع وتوجيه الأداء، في تناغم لافت مع الجمهور. جمهور غنّى بحرفية، انسجم، تمايل، ورقص على وقع الألحان، ليصنع لوحة فنية جماعية صادقة وعفوية.
باختصار، الجمهور الذي حضر لم يكتفِ بالاستمتاع فقط، بل أمتع غيره، وكان دون أدنى شك نجم السهرة وصانع نجاحها، في تجربة موسيقية تؤكد أن الفن، حين يُقاسَم، يصبح أكثر جمالًا وصدقًا.