لم يعد الحديث عن غلاء المعيشة في تونس مجرد تذمّر عابر أو شكوى ظرفية، بل تحوّل إلى واقع يومي يثقل كاهل المواطن ويقضّ مضجعه. فبين دخل محدود لا يكفي لتغطية أبسط الحاجيات، وارتفاع متواصل للأسعار، يجد التونسي نفسه عالقًا في دوامة لا تنتهي من الضغوط المعيشية.
منذ سنوات، وتحديدًا منذ ما بعد الثورة، تعقّد المشهد الاقتصادي أكثر، وأصبحت القدرة الشرائية في تراجع مستمر. ففي بلد لا يتجاوز فيه متوسط الأجور 900 دينار، باتت تلبية الحاجيات الأساسية أشبه بالتحدي اليومي. فواتير، مواد غذائية، نقل، تعليم، وصحة… كلها مصاريف تتراكم في مقابل دخل يكاد لا يصمد أمام موجة الغلاء المتصاعدة.
عدد كبير من المواطنين الذين تواصلوا معنا عبّروا عن أوضاع مؤلمة، حيث أكد البعض أنهم لم يتمكنوا منذ سنوات من شراء اللحوم أو الأسماك، التي تحوّلت من مواد غذائية عادية إلى “كماليّات” بعيدة المنال. مشاهد موائد خالية من هذه الأصناف لم تعد استثناء، بل أصبحت واقعًا تعيشه آلاف العائلات.
وفي المقابل، يساهم عامل الخوف من فقدان المواد في تعميق الأزمة، حيث يدفع القلق المواطنين إلى الإقبال المفرط على الشراء كلما توفرت السلع، وهو ما يؤدي إلى نقصها سريعًا في الأسواق وارتفاع أسعارها بشكل أكبر. حلقة مفرغة تزيد من تعقيد الوضع وتغذي حالة الاحتقان العام.
ولا تقف المعاناة عند هذا الحد، بل تمتد إلى ضغوط اجتماعية وسلوكية تثقل كاهل المواطن، الذي يجد نفسه أحيانًا مجبرًا على الإنفاق بما يفوق طاقته فقط حفاظًا على صورته أمام المجتمع، تحت وطأة عبارة “اش باش يقولو الناس”. وهنا تتضاعف الأزمة، حيث يصبح المواطن محاصرًا ليس فقط بغلاء الأسعار، بل أيضًا بثقل العادات والتقاليد.
في خضم كل ذلك، تتصاعد تساؤلات الشارع حول دور الدولة في السيطرة على الأسعار ومراقبة الأسواق، خاصة في ظل حديث متكرر عن وجود وسطاء وسماسرة ولوبيات تتحكم في مسالك التوزيع وتساهم في إشعال الأسعار.
وهنا تبرز ضرورة تكثيف فرق المراقبة الاقتصادية، على أن تكون مكوّنة من عناصر تتميّز بالذكاء والفطنة والحرفية العالية، ولديها إلمام دقيق بمختلف أساليب التحيل والممارسات الخبيثة التي يعتمدها بعض التجار الذين لا علاقة لهم بالضمير المهني ولا “خافوا ربي”، وذلك حتى تكون قادرة على كشف هذه التجاوزات والتصدي لها بصرامة ونجاعة.
وبين وعود الإصلاح وواقع المعاناة، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يدفع يوميًا ثمن اختلالات لم يكن طرفًا فيها. على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها لأن الإنتظار زاد هشاشة الوضع المادي للعائلة وذهب بالعديد من العائلات إلى التذمر والشكوى من شدة الفقر، لذلك عليها بالتدخل الفوري والعاجل والسريع للقطع مع دابر هذه الممارسات.
اليوم، لم يعد المطلوب مجرد تشخيص للأزمة، بل تحرّك فعلي يعيد التوازن إلى السوق، ويحمي القدرة الشرائية، ويضع حدًا لنزيف متواصل أنهك المواطن وأفقده الأمل في غدٍ أفضل.