خير الدين جمعة.. حين يتحوّل السرد إلى ذاكرة، وتصبح الكتابة جسراً بين قرطاج وأبوظبي.
Baha
15 ساعة مضت
نجوم و فنون
80 زيارة


بالمرصاد نيوز- نجوم و فنون

بقلم الصحفي
بولبابة العييدودي
هذا المقال مهدى الى روح الفقيدة حرم الدكتور خيرالدين جمعة رحمها الله
في تجربة الدكتور خير الدين جمعة، الكاتب والروائي التونسي والأستاذ الجامعي المقيم في أبوظبي منذ ثلاثين سنة، تتجاوز الكتابة حدود الحكاية لتصبح مساحة للتأمل في الإنسان والذاكرة والمكان، ومحاولة لاكتشاف ما يختبئ خلف التفاصيل اليومية من أسئلة الوجود وتحولات الروح. إننا إزاء تجربة إبداعية تجمع بين المعرفة الأكاديمية والحسّ الأدبي، وبين دقة الباحث وحرية السارد، بما يمنح النصّ قدرة على ملامسة الواقع من جهة، وإعادة تشكيله فنياً من جهة أخرى. ليس السرد، في جوهره، مجرد ترتيب للأحداث أو نقل للوقائع، بل هو فنّ بناء العوالم، وإعادة منح الحياة معناها عبر اللغة والشخصيات والمواقف. ومن هذا المنظور، تكتسب تجربة خير الدين جمعة أهميتها؛ إذ تتعدد الأجناس الأدبية في منجزه بين الرواية والقصة، وتتسع مساحة الكتابة لتحتضن أسئلة الإنسان وتناقضاته، وتستكشف العلاقة المعقدة بين الفرد ومحيطه، وبين ما يعيشه الإنسان وما يظل عالقاً في ذاكرته. الرواية.. حين تتكلم الذاكرة بلغة الحاضر في عناوين مثل «حرائق قرطاج» و«نساء من شمع»، تتبدّى عتبات سردية تستدعي القارئ إلى عوالم تتقاطع فيها الذاكرة بالتحوّل، والإنسان بما يحيط به من أسئلة ومفارقات. فالعنوان الأدبي ليس مجرد تسمية للعمل، بل هو مفتاح أوليّ لقراءة ما يمكن أن يختزنه النص من دلالات وإيحاءات. وتحمل «حرائق قرطاج» في عنوانها طاقة رمزية تستحضر تاريخ المكان وما يختزنه من ذاكرة حضارية، وتفتح أفقاً للتأمل في الحاضر على ضوء الماضي. فقرطاج ليست مجرد رقعة جغرافية في الوجدان التونسي، وإنما رمز تتداخل فيه الحضارة والانكسار والقدرة على النهوض من الرماد. ومن هنا تبرز إمكانات القراءة التي ترى في العنوان دعوة إلى مساءلة العلاقة بين التاريخ والإنسان، وبين ما يرثه المجتمع من ذاكرة وما يصنعه من مستقبل. أما «نساء من شمع»، فيوحي عنوانها بعالم إنساني تتجاور فيه الهشاشة والصلابة الظاهرية، وتطرح فيه صورة الشمع أسئلة عن الهوية والمشاعر والتحولات. فالشمع مادة تتشكل تحت تأثير الحرارة، وتظل قابلة للتبدل؛ وهو ما يجعل العنوان مجالاً للتأويل حول الشخصيات الإنسانية وما تتعرض له من ضغوط اجتماعية ونفسية. غير أن الحكم على كيفية تجسيد هذه الدلالات يظل رهيناً بقراءة النصوص نفسها، وبما تبنيه من شخصيات وأحداث ومواقف. إن القيمة الفنية للرواية لا تقف عند موضوعها، بل تتجلى أيضاً في كيفية بنائها: في توزيع الأحداث، وإدارة الحوار، ورسم الشخصيات، وتوظيف الزمن، وصناعة المفاجأة، والانتقال بين الظاهر والباطن. وفي هذا المستوى تحديداً يُختبر السارد، إذ لا يكفي أن يمتلك فكرة مهمة، بل ينبغي أن يحوّلها إلى تجربة جمالية تجعل القارئ شريكاً في اكتشاف المعنى، لا متلقياً لخلاصة جاهزة. القصة القصيرة.. فنّ

التكثيف ودهشة التفاصيل إذا كانت الرواية تمنح الكاتب فسحة واسعة لتشريح المجتمع ورصد تحوّلاته، فإن القصة القصيرة تضعه أمام امتحان مختلف: كيف يمكن لحادثة صغيرة أو لحظة عابرة أن تختزل تجربة إنسانية كاملة؟ في مجموعتيه «وشم بربري» و«أكاذيب أمي الخمس»، يواصل خير الدين جمعة مغامرته في عوالم السرد، مستثمراً إمكانات القصة القصيرة في التقاط التفاصيل التي قد تبدو عادية، لكنها تخفي وراءها عالماً من المشاعر والتناقضات. وقد أشارت قراءة نقدية منشورة في صحيفة «الإمارات اليوم» إلى حضور القرية والذاكرة والطفولة والشخصيات الإنسانية في «وشم بربري»، وتكمن إحدى رهانات هذا الفن في الاقتصاد اللغوي، وفي القدرة على ترك مساحات للقارئ كي يستكمل ما لم يقله النص صراحة. فالقصة الناجحة لا تقدّم كل شيء، وإنما تزرع في الوعي سؤالاً يظل مفتوحاً حتى بعد الانتهاء من القراءة. ومن هنا، تبدو العودة إلى الطفولة والقرية والذاكرة العائلية أكثر من مجرد استعادة للماضي؛ إنها محاولة لفهم الحاضر من خلال جذوره الأولى، واستكشاف الكيفية التي تتشكل بها شخصية الإنسان تحت تأثير المكان والأسرة والتجربة الاجتماعية. وتغدو الذاكرة، في هذا السياق، مادة سردية قابلة لإعادة البناء والتأويل، لا مجرد سجلّ للأحداث المنقضية. بين الأكاديمي والمبدع.. معرفة تصقل الخيال لا يمكن إغفال البعد المعرفي في تجربة كاتب يجمع بين التدريس الجامعي والممارسة الإبداعية، وله اهتمام بالسرد والنقد الأدبي. فالتكوين في الأدب العربي الحديث يفتح أمام الكاتب آفاقاً لفهم تطور الأجناس الأدبية، وطرائق بناء النصوص، والعلاقات بين اللغة والدلالة والتاريخ الاجتماعي. غير أن المعرفة الأكاديمية لا تصنع الأدب وحدها؛ إذ يحتاج الإبداع إلى حساسية خاصة تجاه اللغة، وإلى قدرة على تحويل الأفكار إلى صور وشخصيات ومواقف نابضة بالحياة. وعندما ينجح الكاتب في إقامة التوازن بين الوعي النظري والحدس الفني، يصبح النص فضاءً تتفاعل فيه الفكرة مع العاطفة، ويتحول فيه التأمل إلى تجربة جمالية. ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية في مسيرة خير الدين جمعة، الذي يكتب من موقع يجمع بين الثقافة التونسية والانفتاح على البيئة العربية في دولة الإمارات. فالإقامة الطويلة خارج الوطن قد توسّع زاوية النظر إلى المجتمع الأصلي، وتمنح الكاتب فرصة للمقارنة بين التجارب الإنسانية والثقافية، دون أن يعني ذلك بالضرورة الانفصال عن الجذور. تونس في الذاكرة.. والإنسان في قلب الحكاية هنا تتضح أهمية السرد بوصفه أداة لفهم المجتمع، لا من خلال الخطاب المباشر، بل عبر مصائر الشخصيات وتناقضاتها وخياراتها. فالرواية لا تكتفي بطرح الأسئلة السياسية والاجتماعية، وإنما تحاول النفاذ إلى أثرها في الإنسان، وفي علاقته بالحرية والأمل والمستقبل. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الكتابة عند خير الدين جمعة باعتبارها اشتغالاً على الذاكرة الفردية والجماعية، وعلى المسافة بين ما يحلم به الإنسان وما تفرضه عليه الوقائع. وهي مسافة تمنح السرد توتره، وتدفع القارئ إلى البحث عن المعنى وراء الأحداث الظاهرة. كتابة تعبر الحدود وتحافظ على الجذور من تونس إلى أبوظبي، تتواصل رحلة الدكتور خير الدين جمعة مع الأدب، في تجربة تتقاطع فيها الجامعة مع المكتبة، والدرس الأكاديمي مع المغامرة السردية، والذاكرة المحلية مع فضاء عربي أوسع. ولعل ما يمنح هذه التجربة قابلية للاستمرار هو تعدد منافذها التعبيرية؛ فالرواية تتيح بناء العوالم الواسعة، بينما تمنح القصة القصيرة فرصة الإمساك باللحظة المكثفة. وبين الجنسين تتشكل علاقة تبادل واختبار، يتطور خلالها وعي الكاتب بالشخصية واللغة والإيقاع والدلالة. إن قيمة المبدع لا تُقاس بعدد الكتب وحده، بل بما تتركه نصوصه من أثر، وبقدرته على جعل القارئ يعيد النظر في أشياء ظنّ أنه يعرفها. ومن ثمّ، فإن قراءة منجز خير الدين جمعة تستدعي الاهتمام بتنوعه السردي، وبالأسئلة الإنسانية والاجتماعية التي يفتحها، وبالطرائق الفنية التي يحوّل بها التجربة إلى أدب. في المحصلة، يظل خير الدين جمعة كاتباً يشتغل على الإنسان من خلال الحكاية، وعلى الذاكرة من خلال المكان، وعلى الواقع من خلال الخيال. وبين الرواية والقصة، تتواصل مغامرته في البحث عن تلك المنطقة الخفية التي يلتقي فيها الفرد بمجتمعه، والماضي بالحاضر، والحقيقة بما تستطيع اللغة أن تكشفه من أسرارها. إنها رحلة كاتب تونسي حمل أسئلته من ضفاف الذاكرة إلى فضاء الاغتراب، وظلّ يجعل من الأدب وسيلة لفهم الحياة، ومن السرد جسراً بين التجربة الفردية والوجدان الجماعي.