الرئيسية / جهات و حوادث مرور / دار شريط..روعة التصميم وجمال المضمون

دار شريط..روعة التصميم وجمال المضمون

بالمرصاد نيوز – جهات

 

بقلم بولبابة العيدودي

دار شريط.. ذاكرة حيّة تختزل تاريخ توزر في توزر، لا تمشي الذاكرة على قدميها… إنها تسكن الجدران، وتختبئ بين زخارف الآجر، وتطلّ من نوافذ البيوت العتيقة، ثم تمضي مع نخلةٍ طويلة تبحث عن ظلّها في الرمل. وهنا، في دار شريط، يبدو التاريخ وكأنه قرر أن يتخذ لنفسه بيتًا. دارٌ لا تشبه البيوت فقط، بل تشبه صفحةً مفتوحة من كتاب توزر الكبير؛ كتابٍ كتبته الحضارات على مهل، بالحجر والطين والآجر، وبألوان الصحراء وعبق النخيل. في عمارتها، يتحول الآجر التوزري إلى لغة. مربعاته الصغيرة ليست مجرد زخرفة هندسية، بل نبضٌ بصري يروي حكاية مدينة عرفت كيف تجعل من البساطة جمالًا، ومن الصمت موسيقى، ومن الشمس ظلًا، ومن الصحراء فضاءً للحياة. توزر… تلك المدينة التي وصفها المؤرخون بـ «الكوفة الصغيرة»، لم تكن يومًا مجرد واحة على هامش الصحراء. كانت محطةً للحضارة، وملتقى للعلم والتجارة والثقافة، ونافذةً مفتوحة على عمق الصحراء وشساعة الجنوب. وفي دار شريط، تستعيد هذه الذاكرة بعض ملامحها. هنا يلتقي المعمار بالتاريخ، والثقافة بالسياحة، والواحة بالصحراء. فالزائر لا يدخل دارًا فحسب؛ بل يدخل إلى زمن آخر، زمن كانت فيه العمارة ابنة البيئة،

 

وكانت النخلة جزءًا من هندسة المكان، وكانت الأزقة الضيقة تعرف كيف تحمي الإنسان من وهج الشمس، وكيف تجعل الظل عنصرًا من عناصر الجمال. ومن حول الدار، تستمر توزر في سرد حكايتها. نخيلٌ يصعد نحو السماء كأنه يريد أن يلامس ذاكرة الأجداد، وواحةٌ تتنفس في صمت، وصحراء تبدأ من بعيد ثم تقترب شيئًا فشيئًا حتى تصبح جزءًا من المشهد. وهنا تكمن قوة السياحة التوزرية. إنها ليست سياحة الرمال وحدها، ولا سياحة الواحات وحدها، ولا سياحة الصورة الجميلة العابرة؛ إنها سياحة ذاكرة وحضارة وهوية. السائح الذي يأتي إلى توزر لا يبحث فقط عن الصحراء، بل يبحث عن ذلك الشعور النادر الذي تمنحه المدن التي ما زالت تحتفظ بجزء من روحها. ودار شريط يمكن أن تكون واحدة من تلك النوافذ التي يرى منها الزائر توزر القديمة والجديدة في صورة واحدة؛ توزر التي تعانق المستقبل دون أن تتخلى عن ماضيها. فالمعمار التوزري ليس زينةً معلقة على وجه المدينة، بل هو جزء من شخصيتها. الآجر يرسم هندسةً تكاد تكون موسيقية، والأقواس تفتح أبوابًا للخيال، والألوان الترابية تستعيد لون الأرض، فيما تتسلل أشعة الشمس إلى المكان فتمنح الجدران حياةً جديدة كل صباح.

كأن الشمس نفسها تأتي إلى هنا لتوقّع حضورها وفي البعد الثقافي، تتحول دار شريط إلى أكثر من ذاكرة عمرانية؛ يمكن أن تصبح فضاءً للفن والكتاب والصورة والموسيقى والحكاية الشعبية، ومكانًا يلتقي فيه الماضي بالحاضر، وتُروى فيه سيرة توزر للأجيال وللزائرين من تونس والعالم. ذلك أن المدن لا تُحفظ بالوثائق وحدها. المدن تُحفظ أيضًا بالصور، وبالحكايات، وبالمعمار، وبالأمكنة التي ترفض أن تموت. وإذا كانت توزر قد منحت الصحراء نخيلها، ومنحت الثقافة علماءها وشعراءها، ومنحت السياحة واحدة من أجمل صور الجنوب التونسي، فإن دار شريط تمنح المدينة ذاكرةً إضافية يمكن أن تُرى وتُلمس وتُعاش. إنها دار تقول للزائر: هنا مرّ الزمن… لكنه لم يأخذ كل شيء. ترك لنا جدارًا، وقوسًا، ونقشًا، وظل نخلة، ورائحة تراب بعد المطر، ونافذةً تطل على مدينة ما زالت تبحث في المستقبل عن صورة تليق بماضيها. وهكذا تصبح دار شريط، في قلب توزر، ذاكرةً حيّة لا تختزل تاريخ المكان فحسب، بل تختزل فلسفة مدينة كاملة؛ مدينة صنعت من الصحراء حياة، ومن الواحة حضارة، ومن الآجر فنًا، ومن التاريخ جسراً نحو المستقبل. توزر ليست مدينةً تُزار فقط… إنها مدينةٌ تُقرأ. ودار شريط واحدة من صفحاتها التي لا ينبغي أن تُغلق.

عن Baha

شاهد أيضاً

تحول رقمي بالكاف: مخبر ذكاء اصطناعي يرسم آفاقاً واعدة لقطاع التأهيل.

بالمرصاد نيوز – جهات   تغطية و متابعة صحفية الموقع شيناء اسماعيلي تخطو منظومة التأهيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *