أخبار عاجلة
الرئيسية / العوامل المناخية / عاصفة غير مسبوقة تكشف هشاشة الواقع وتفضح الجميع إدارة متأخرة و مواطن بلا ضمير.

عاصفة غير مسبوقة تكشف هشاشة الواقع وتفضح الجميع إدارة متأخرة و مواطن بلا ضمير.

 

بالمرصاد نيوز – تونس الكبرى

 

بقلم صحفية الموقع شيماء اسماعيلي

كشفت الأحداث المناخية الأخيرة في تونس عن واقع مقلق يلامس حدود الوضع شبه الكارثي، حيث لم تكن التساقطات المسجلة مجرد أمطار موسمية عادية، بل عاصفة قوية واستثنائية رافقتها أمطار غزيرة ومتواصلة دامت خمسة أيام كاملة، ما أدّى إلى ضغط هائل على شبكات تصريف المياه والبنية التحتية، وفاق طاقتها الاستيعابية العديد من المناطق.

وقد تسببت هذه العاصفة في فيضانات جارفة اجتاحت أحياء سكنية ومحاور مرورية، وخلفت أضرارًا بشرية مؤلمة، إلى جانب خسائر مادية كبيرة شملت منازل المواطنين، والمركبات، والمحلات التجارية، وتعطل المرافق والخدمات الأساسية، في مشهد أعاد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول الجاهزية والوقاية.

ورغم الطابع الاستثنائي لهذه العاصفة، فإن حجم الخسائر المسجلة لا يمكن فصله عن تراكم الإخلالات  السابقة، في مقدمتها القصور الإداري والمؤسساتي إذ سُجّل غياب المتابعة الدورية لشبكات تصريف المياه، وعدم القيام بعمليات التنظيف الوقائي للبالوعات والقنوات قبل دخول موسم الأمطار، رغم التحذيرات الجوية المبكرة. كما طغت المعالجة الظرفية المتأخرة على حساب التدخلات الاستباقية والصيانة القبلية. ويُضاف إلى ذلك تقادم البنية التحتية و عدم ملاءمتها للتمدد العمراني المتسارع، حيث أصبحت قنوات التطهير عاجزة عن استيعاب الكميات الكبيرة من المياه الملوثة، ما تسبب في فيضانات متكررة داخل الأحياء والطرق الرئيسية، وهو ما يعكس غياب رؤية تخطيطية استراتيجية بعيدة المدى لإدارة مياه الأمطار في الفضاءات الحضرية.

غير أن تحميل المسؤولية للجهات الرسمية وحدها يظل مقاربة ناقصة، إذ لا يمكن تجاهل الدور الخطير الذي تلعبه شريحة واسعة من المواطنين، الذين يتعاملون مع الفضاء العام بعقلية “رزق البيليك”، في غياب واضح للضمير المدني والحس الوطني. فرمي النفايات المنزلية، والأكياس البلاستيكية، والفضلات داخل البالوعات أصبح ممارسة يومية تؤدي مباشرة إلى انسداد الشبكات وتسريع انهيارها مع أول تساقط كثيف للأمطار.

كما ساهم تراكم مخلفات بقايا المباني في الشوارع والأرصفة في عرقلة جريان المياه، إلى جانب الاستهتار بتعليمات الوقاية والتحسيس، سواء عبر المجازفة بعبور السيول، أو البناء المحاذي للأودية والمجاري الطبيعية، خاصة في إطار البناءات العشوائية، في خرق واضح للقوانين وأبسط قواعد السلامة.

إن ما نعيشه اليوم لا يختزل في أزمة بنية تحتية فحسب، بل هي أزمة وعي وسلوك جماعي قبل كل شيء. فالمرافق العامة هي مكاسب مشتركة، والحفاظ عليها مسؤولية جماعية لا تقل أهمية عن دور الدولة ومؤسساتها.

ومن دون ترسيخ ثقافة المواطنة، واحترام الفضاء العام، والالتزام بالقوانين، ستبقى كل الجهود التقنية والإدارية عاجزة عن منع تكرار هذا السيناريو المؤلم. ويبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: إلى متى نستمر في تكرار الأخطاء ذاتها، وننتظر الحلول من طرف واحد،؟ بينما الأزمة في جوهرها نتاج تقاعس مشترك؟ إن تجاوز هذا الوضع يقتضي إرادة فعلية، وتخطيطًا محكمًا، وقبل ذلك وعيًا مجتمعيًا يعيد الاعتبار لقيمة المسؤولية المشتركة.

عن Baha

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *