فاجعة المحمدية تهزّ المنطقة: قاصر في الـ17 يقود شاحنة دون رخصة… أمّان تفقدان حياتهما وثلاث تلميذات يُصبن والنيابة العمومية تضعه على ذمة القضاء,
Baha
ساعتين مضت
جهات و حوادث مرور
43 زيارة


بالمرصاد نيوز – قضايا و محاكم

تغطية و متابعة صحفية
الموقع شيماء اسماعيلي
استيقظ أهالي المحمدية، صباح أمس، على وقع فاجعة مروّعة هزّت المنطقة، بعد أن تحوّلت لحظات عادية أمام إحدى المؤسسات التعليمية إلى مشهد مأساوي خلّف صدمة كبيرة في نفوس الأهالي والتلاميذ وكل من تابع تفاصيل هذه الكارثة.
حادث مرور مريع شهدته المنطقة، بعد أن كان سائق قاصر، يبلغ من العمر 17 سنة، يقود شاحنة دون أن يكون حاملاً لرخصة سياقة، وبسرعة كبيرة، قبل أن تفقد الشاحنة مسارها وتتجه نحو الرصيف، مخترقة الحواجز الموجودة بالمكان ومحطمة كل ما اعترض طريقها، لتنتهي رحلتها المأساوية بالاصطدام بعدد من التلميذات وبأمّين كانتا متواجدتين بالمكان.
وكانت الحصيلة ثقيلة ومؤلمة: أمّان فقدتا حياتهما، وثلاث تلميذات أصبن في الحادث، إلى جانب إصابة السائق نفسه، في مشهد أعاد إلى الواجهة خطورة التهور في الطريق، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقيادة مركبات ثقيلة من طرف قاصرين لا تتوفر فيهم الشروط القانونية للقيادة.
إن فداحة ما حدث لا تتوقف عند لحظة الاصطدام، بل تفتح أبوابًا واسعة من الأسئلة التي لا يمكن للمجتمع أن يتجاوزها مرور الكرام. كيف يصل قاصر إلى شاحنة ويقودها في الطريق العام دون رخصة؟ وكيف تمكّن من الوصول إلى مفاتيحها؟ وهل كانت المفاتيح في متناول يده؟ وهل كان من الممكن منع هذه المأساة لو توفرت الرقابة اللازمة؟
أسئلة كثيرة تفرض نفسها بقوة، لا بحثًا عن التشهير أو إطلاق الأحكام، وإنما لأن أرواحًا أزهقت، وعائلات وجدت نفسها فجأة أمام مأساة لم تكن تنتظرها، وتلميذات أصبحن يحملن آثار حادث كان يمكن أن تكون عواقبه أشد فداحة.
والأخطر أن مثل هذه الفاجعة تفرض الوقوف بجدية أمام ظاهرة قيادة بعض القاصرين للسيارات والشاحنات خارج الأطر القانونية، والسياقة في الطريق العام دون رخصة سياقة، وهو ما يعرّض مرتكبه إلى المساءلة والعقوبات التي يحددها القانون.
وفي تطور يؤكد جدية الملف، أذنت النيابة العمومية بإيقاف سائق الشاحنة القاصر، الذي أصبح منذ دخوله إلى مركز الإصابات والحروق البليغة لتلقي العلاج على ذمة القضاء، في انتظار استكمال الإجراءات والأبحاث اللازمة وتحديد المسؤوليات وفق ما يقتضيه القانون.
كما أن الحديث عن هذه الفاجعة يقود إلى قضية أوسع تتعلق بمسؤولية الأسرة والمجتمع في مراقبة سلوك الأطفال والمراهقين، وتربيتهم على احترام القانون واحترام حياة الآخرين. فالرقابة الأسرية ليست تفصيلًا ثانويًا، كما أن التربية على المسؤولية تبدأ قبل أن يصل الطفل إلى الشارع وقبل أن يضع يديه على مقود أي وسيلة نقل بمختلف أنواعها كالسيارات والشاحنات وغيرها من وسائل النقل الخاصة بالمواطنين.
ولعل ما يضاعف القلق أن المجتمع التونسي أصبح، خلال السنوات الأخيرة، أمام مظاهر متزايدة من السلوكيات العدوانية والخطرة بين بعض الأطفال والمراهقين، سواء في الشارع أو داخل المؤسسات التربوية. فقد أصبحت أخبار الاعتداءات والمشاجرات والعنف بين الناشئة تثير مخاوف متزايدة، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى استعمال أسلحة بيضاء ووقوع ضحايا في سن مبكرة.
وهنا تبرز مسؤولية الجميع: الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والجهات المختصة. فحماية الأطفال لا تكون فقط بعد وقوع الكارثة، وإنما تبدأ بالوقاية، وبالرقابة، وبمنع أسباب الخطر قبل أن تتحول إلى واقع.
إن فاجعة المحمدية ليست مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث. وراء كل ضحية عائلة، ووراء كل إصابة أم وأب وأصدقاء وزملاء، ووراء كل حادث سؤال عن المسؤولية والوقاية وما كان يمكن فعله حتى لا تصل الأمور إلى هذه النهاية المؤلمة.
واليوم، وبعد أن أصبحت القضية على ذمة القضاء، يبقى الأمل في أن تتواصل الأبحاث بكل الجدية المطلوبة، وأن يتم تحديد المسؤوليات بعيدًا عن أي تدخل أو ضغط، وأن يأخذ الملف مساره القانوني الطبيعي بما يكشف جميع ملابساته.
أما العائلات التي فقدت اثنتين من أمهاتها، فلا يمكن للكلمات أن تخفف حجم مصابها. ويبقى واجب الجميع الوقوف إلى جانبها، كما تبقى أمنية الشفاء العاجل للتلميذات المصابات.
فحين يتحول المقود في يد من لا يملك أهلية القيادة إلى وسيلة تهدد حياة الأبرياء، فإن المسألة لا تعود مجرد مخالفة مرورية، وإنما تصبح ناقوس خطر يستوجب الوقوف عنده طويلًا.
رحم الله الضحيتين، ومنح عائلاتهما الصبر والقوة، وشفى المصابات، وحفظ أبناءنا وبناتنا من كل مكروه.