الرئيسية / وطنية / بلدية حلق الوادي : تنصّب نفسها مشرّعا وتخرق قانون التهيئة الترابية والتعمير

بلدية حلق الوادي : تنصّب نفسها مشرّعا وتخرق قانون التهيئة الترابية والتعمير

بقلم الصحفي محمد بن جبارة

 

 

 

مكتب تونس – موقع جريدة تونس الخضراء

من المعلوم أن المسائل العمرانية تنظمها مجلة التهيئة الترابية والتعمير سواء ما تعلق منها بالإجراءات المتعلقة بالبناء أو بالهدم او بالتقسيمات مع تنظيم العقوبات المستوجبة في حالة مخالفة أحكام المجلة التي صدرت بمقتضى القانون عدد122 لسنة 1994 المؤرخ في 28 نوفمبر 1994.

ومن المعلوم أن هذه المجلة هي قانون من قوانين الدولة الذي يجب احترامه والإلتزام بمقتضياته وعدم مخالفته من الأفراد وخاصة من قبل هياكل الدولة المركزية والجهوية والمحلية.

ومن المعلوم أيضا أنّ أيّ مساس بأيّ فصل من فصول هذه المجلة لا يتم إلا بمقتضى قانون ينقّح ما يتم التوافق في شأنه والمصادقة عليه من قبل الهيكل التشريعي القائم أو بمرسوم في الحالة الاستثنائية.

وقد شهدت بلادنا إبان حالة الإنفلات سنة 2011 وما تلاها وعدم الالتزام بتطبيق التشريع في ميدان البناء من قبل أصحاب العقارات أو الراغبين في البناء ناهيك مع غياب أعوان التراتيب البلدية وقتها ممّا جعل البناء دون رخصة أو البناء دون الالتزام برخص البناء حالة شائعة جدا في تلك الفترة.

وقد اصطدم الكثيرون ممّن تجاوزوا تراتيب البناء بوضعيات عقدت شؤونهم خاصة بالنسبة لأولئك الذين احتاجوا إلى شهادة تطابق في البناء التي تتولى تسليمها البلديات بعد انتهاء أشغال بناية ما وبعد أن يتبيّن لمصالحها الفنية أن صاحب المبنى الذي يروم الحصول على هذه الشهادة قد التزم بالأمثلة الهندسية التي على أساسها تم تسليمه قرار الترخيص بالبناء.

وتكدست الملفات في عديد البلديات دون أن يظفر أصحابها بتلك الشهادة باعتبار أن التراتيب لا تسمح بتمكينهم من ذلك، ففي صورة عدم احترام صاحب مبنى للرخصة المسلمة له بالبناء تتم معاينة الأمر في الإبان من قبل الأعوان المكلفين بذلك ـ أعوان التراتيب وقتها ـ ويتم التنبيه على المعني بالأمر وتتولى البلدية إصدار قرار في إيقاف الأشغال ودعوة المعني بالأمر إلى تسوية وضعيته بأن يقدم أمثلة تنقيحية تبين التجاوز تعرض على اللجنة الفنية لرخص البناء فإن تمت الموافقة على هذه الأمثلة تتم تسوية وضعيته ويستمر في البناء ويتحصل في النهاية على شهادة تطابق أشغال، وإن لم توافق اللجنة الفنية تتم إزالة التجاوز ويستمر في بنائه تحت مراقبة أعوان التراتيب  ويتسلم في النهاية الشهادة المذكورة.

لكن الفترة التي 2011 ومع غياب أعوان التراتيب عمّ التجاوز من قبل أصحاب البناءات المتحصلين على رخص بالبناء ليجدوا أنفسهم بعد استكمال البناء في ورطة الحصول على شهادة تطابق أشغال.

 المشرّع يتدخل سنة 2015

ولأن الأمر أصبح بمثابة “المسألة الوطنية” فقد تم طرحه على أنظار مجلس النوّاب الذي بعد دراسة الأوضاع ورغبة منه في تمكين المعنيين من تسوية وضعياتهم تم سنّ القانون عدد11 لسنة 2015 بتاريخ 27 أفريل 2015 لتسوية وضعية المباني المنجزة والمخالفة لرخص البناء الذي جاء بأحكام استثنائية للأحكام العادية الواردة بمجلة التهيئة الترابية والتعمير.

هذه الأحكام الاستثنائية ضبطت فترة انسحابها على المباني التي تم الترخيص فيها بالبناء إلى غاية 31 ديسمبر 2012، بمعنى أن أي مخالف لرخصة بناء تحصل عليها بداية من غرة جانفي 2013 غير مشمول بإجراءات التسوية وعليه أن يتحمّل مسؤوليته القانونية وتلتزم البلديات والمجالس الجهوية بعدم تمكينه من قرار في التسوية.

 ضبط آجال سريان قانون 2015

 كما ضبط هذا القانون آجال التقدم لتسوية وضعية البناءات المخالفة لرخص البناء بسنة من تاريخ دخول هذا القانون حير التنفيذ. واعتبارا لكون هذا القانون تم نشره بالرائد الرسمي يوم 5 ماي 2015 فإن دخوله حيز التنفيذ يكون يوم 6 ماي 2015 وهو ما يُفضي غلى أن أجل السنة المتاح للمخالفين للتقديم بمطالب لتسوية وضعيات بناءاتهم يكون يوم 5 ماي 2016. وبانتهاء ذلك الأجل ينتهي مفعول هذا القانون ذي الأحكام الاستثنائية ضرورة أنه لم يتم التمديد فيه أو يتم سنّ أحكام مماثلة، خاصة أن الفصل 18 منه أكد على أن من لم يتقدم بمطلب تسوية في الآجال المنصوص عليها بالفصل 5 من هذا القانون أو لم يستجب لما تمت دعوته إليه وفقا للفصل 13 أو لم يقم بخلاص الغرامات المالية وفقا للفصل 14 يتم مواصلة تنفيذ الإجراءات القانونية الجاري بها العمل في شأنه وخاصة منها الفصل 83 وما بعده من مجلة التهيئة الترابية والتعمير.

وقد شهدت عديد البلديات وقتها ملفات كثيرة تقدم بها أصحابها رغبة في إضفاء الشرعية على بناءات أنجزوها دون احترام قرارات الترخيص بالبناء.

لكن طبيعة التونسي التواقة إلى مخالفة كل ما يرى فيه حدّ من “حريته” جعلت الكثيرين يستمرون في انجاز بناءاتهم دون احترام الأمثلة الهندسية التي على أساسها تم منحهم قرارات الترخيص في البناء دون أن تطالهم أعين الرقابة من قبل أعوان الشرطة البلدية والحرس البلدي الهيكل الذي عوّض التراتيب البلدية ليجدوا أنفسهم في النهاية أمام إشكال الحصول على شهادة تطابق أشغال، فرضت البلديات تمكينهم من مبتغاهم وهو تصرف إداري سليم لأن الشهادة المذكورة لا تُسلم إلا متى ثبت أن صاحب الرخصة احترم والتزم بالأمثلة الهندسية المصادق عليها من قبل لجنة رخص البناء.

بلدية حلق الوادي تخرق القانون

 من المعلوم أن البلديات لا يمكنها التصرف خارج إطار القانون وأن أي قرار تصدره أو إجراء تتخذه يجب أن يكون متوافقا مع التشريع الجاري به العمل، لكن خرجت علينا بلدية حلق الوادي مؤخرا بقرار غريب يضرب عرض الحائط بوحدة الدولة والإلتزام بتشريعاتها.

فهذه البلدية اتخذت قرارا يخرق أحكام مجلة التهيئة الترابية والتعمير سارية المفعول من خلال سنها أحكاما تعادل التشريع إذ ذكرت في الفصل الأول من قرارها: “يهدف هذا القرار إلى اعتماد تدابير ووضع إطار قانوني استثنائي لتسوية وضعية المباني المنجزة والمخالفة لمقتضيات رخص البناء..”!!! ما هذا هل نحن أمام هيكل تشريعي؟؟ هل إنتصب مجلس بلدية حلق الوادي مشرّعا؟؟

 …وتنتصب مشرّعا!!!

 ورغم أن القانون عدد11 لسنة 2015 ضبط مدة السماح بسنة من تاريخ نشره أي في أجل أقصاه 5 ماي 2016 فإن قرار رئيسة بلدية حلق الوادي مكّن المخالفين لرخص البناء من التقدم لتسوية وضعيات بناءاتهم “التي انتهت أشغالها أو أوقفت أشغال بنائها قبل تاريخ نشر هذا القرار” أي إلى حد 5 أفريل 2022 وهو تاريخ نشر القرار، وذلك في مخالفة صريحة لمجلة التهيئة الترابية والتعمير، ولقانون سنة 2015 والذي انتهى العمل به بانتهاء الآجال التي ضبطها لتسوية الوضعيات ولا يمكن بأي حال من الأحوال استمرار العمل به.

لكن بلدية حلق الوادي أتت بما لم يأت به الأوائل ولو أن بلدية تونس اتخذت قرارا مماثلا في أواخر سنة 2020 يبدو أن بلدية حلق الوادي حذت حذوها في خرق القانون.

ولأن قانون 2015 المذكور ضبط “غرامات” (وهو مصطلح غير دقيق) ـ باعتبار أن الأصوب أن نتحدث عن الخطية وليس الغرامة ـ على من يروم تسوية وضعية بنائه المخالفة لرخصة البناء حددها المشرّع كما يلي:

1 ـ المباني ذات الصبغة السكنية المخصصة للسكن الفردي والمنجزة من طرف الخواص : ـ 20 د للمتر المربع الواحد المضاف

. 2 ـ المباني ذات الصبغة السكنية المخصصة للسكن الفردي والمنجزة من طرف الباعثين العقاريين : ـ 300 د للمتر المربع الواحد المضاف

. 3 ـ المباني المخصصة للسكن الجماعي أو متعددة الوظائف والمنجزة من طرف الخواص أو الباعثين العقاريين : 400 د للمتر المربع الواحد المضاف

. 4 ـ المباني المخصصة للاستعمال السياحي: 100 د للمتر المربع الواحد المضاف.

5 ـ المباني المخصصة للاستعمال الصناعي: 50 د للمتر المربع الواحد المضاف.

 …وتضبط غرامات على مزاجها

 فإن بلدية حلق الوادي زادت في العلم حكمة بأن ضبطت غرامات على مزاجها وهي كما يلي: 

1 ـ المباني ذات الصبغة السكنية المخصصة للسكن الفردي والمنجزة من طرف الخواص : ـ 50 د للمتر المربع الواحد المضاف

. 2 ـ المباني ذات الصبغة السكنية المخصصة للسكن الفردي والمنجزة من طرف الباعثين العقاريين : ـ 450 د للمتر المربع الواحد المضاف

. 3 ـ المباني المخصصة للسكن الجماعي أو متعددة الوظائف والمنجزة من طرف الخواص أو الباعثين العقاريين : 450 د للمتر المربع الواحد المضاف

. 4 ـ المباني المخصصة للاستعمال السياحي : 250 د للمتر المربع الواحد المضاف.

5 ـ المباني المخصصة للاستعمال الصناعي : والخدماتي 200 د للمتر المربع الواحد المضاف.

بما يعني أن بلدية حلق الوادي نصبت فعلا نفسها مشرعا يخرق القانون ويضبط “الغرامات” كما يحلو له اعتقادا منها أن “التدبير الحر” يتيح لها هذا الخور.

 …وتعلق قرارات الهدم!!!

 وزادت البلدية بأن أقرت تعليق قرارات الهدم الصادرة ضد المخالفين وذلك بمجرد تقديم أصحابها لمطالب تسوية، ولئن كنّا من حيث المبدإ ضد هدم مباني المواطنين ليست تلك التي أقيمت دون احترام الترخيص بالبناء فقط بل حتى تلك التي أقيمت دون رخصة أصلا إذا لم تقم تجاههم الهياكل الإدارية والأمنية بما يلزم بمجرد الشروع في البناء أو الشروع في المخلفة فإن ما أتته بلدية حلق الوادي يؤكد من جديد حالة انفلات المجلس البلدية وسعيها إلى تفكيك الدولة بسن “قوانين” مخالفة تماما لقوانين الدولة عن جهل وتلك مصيبة أو عن قصد والمصيبة أكبر…

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *