إعلام الوعي وإعلام اللاوعي في المجتمعات المهمشة.
Baha
يوليو 17, 2025
جهات و حوادث مرور
589 زيارة


بالمرصاد نيوز – مكتب صفاقس

تحليل صحفي : بقلم جمال الشرفي
الإعلام بين التنوير والتنويم
في عالم تتعدد فيه المنابر الإعلامية وتتنافس على تشكيل الرأي العام، يبرز نوعان متناقضان من الإعلام: إعلام الوعي وإعلام اللاوعي. الأول يُعنى بتعزيز التفكير النقدي، والثاني يغرق المتلقي في سطحية الخطاب ومشاعر مُعلّبة. في المجتمعات المهمشة، يكون تأثير هذين النموذجين أعمق وأخطر، نظرًا للهشاشة الاجتماعية وضعف البنية التعليمية والسياسية.
1 : مفهوم إعلام الوعي وإعلام اللاوعي
إعلام الوعي هو ذلك الذي يخاطب عقل الإنسان، يطرح القضايا الحقيقية، ينقل الأخبار بموضوعية، ويعمل على مساءلة السلطة وتعزيز الحقوق والمواطنة. إنه إعلام يسعى إلى إشراك الجمهور في فهم واقعه وتحليله والعمل على تغييره.
في المقابل، إعلام اللاوعي يعمل على تغييب الفهم، عبر الترويج للتفاهة، التركيز على العواطف، الأخبار الصفراء، نظريات المؤامرة، وبرامج الترفيه المفرط الذي يفصل الفرد عن قضاياه اليومية. إنه إعلام الاستهلاك، لا المعرفة.
2 : لماذا تتأثر المجتمعات المهمشة أكثر؟
تعاني المجتمعات المهمشة عادة من:
ضعف البنية التعليمية؛
غياب الوعي السياسي؛
محدودية الوصول إلى إعلام نزيه؛
هشاشة اقتصادية تجعل الفرد مشغولًا بتأمين معيشته أكثر من فهم محيطه.
في ظل هذه العوامل، يصبح إعلام اللاوعي وسيلة للهيمنة الثقافية والسياسية، حيث يتم التحكم في إدراك الأفراد للعالم حولهم. ومن خلال رسائل مبطنة أو صريحة، يُعاد إنتاج واقع التهميش ذاته، ويُصور على أنه “الطبيعي” أو “القدر المحتوم”.
3 : أدوات إعلام اللاوعي في التهميش
من أبرز الأدوات التي يستخدمها هذا النوع من الإعلام:
الترفيه الفارغ: برامج واقعية، مسابقات، مسلسلات سطحية تشوّه الواقع أو تهرب منه.
التضليل الإعلامي: أخبار مزيفة أو منحازة تُرهب الجمهور أو تُخدره.
الرمزية الثقافية السلبية: تكريس الصور النمطية عن الفرد المهمش ككسول، جاهل، أو عاطفي.
التعتيم على القضايا الحقيقية: كالفقر، البطالة، الفساد، وسوء الخدمات.
4 : دور إعلام الوعي في فك الحصار
إعلام الوعي يمكن أن يكون أداة تحرر حقيقية، إذا ما توفرت له الظروف والإرادة. وهو يقوم بـ:
كشف البُنى السلطوية التي تعيد إنتاج التهميش.

منح الصوت للذين لا صوت لهم، عبر صحافة المواطن أو الإعلام المجتمعي.
التثقيف الشعبي باستخدام لغة مفهومة وأمثلة قريبة من الواقع.
الربط بين المحلي والعالمي، لخلق تضامن إنساني وفهم شمولي.
5 : مسؤولية من؟
الدولة مسؤولة عن ضمان التعددية الإعلامية وحرية التعبير.
المجتمع المدني مسؤول عن إنتاج إعلام بديل.
الصحفيون والمثقفون مطالبون بأخلاقيات مهنية عالية، وبرسالة تنويرية لا استعراضية.
المواطن نفسه يجب أن يكون فاعلًا، لا متلقيًا سلبيًا.
خاتمة: نحو إعلام يُضيء لا يُضلل
في زمن الأزمات والتحولات، يصبح الإعلام سلاحًا ذا حدين. فإما أن يكون أداة لتحرير العقول وبناء الوعي الجمعي، أو وسيلة لإدامة التهميش وإعادة إنتاج اللاوعي الجمعي. إن الخيار بيدنا، والوعي هو السبيل الوحيد نحو مستقبل أكثر عدالة وإنسان.