الدورة 36 لأيام قرطاج السنيمائية خارج الموضوع و دورة للنسيان.
Baha
4 أسابيع مضت
نجوم وفنون
196 زيارة


بالمرصاد نيوز – مدينة الثقافة تونس العاصمة

بقلم صجفية الموقع شيماء اسماعيلي
شهدت الدورة السادسة والثلاثون لأيام قرطاج السينمائية تراجعًا لافتًا في مستواها العام، سواء على مستوى التنظيم أو الأجواء الاحتفالية التي من المفترض أن تميّز واحدًا من أعرق المهرجانات السينمائية في العالم العربي وإفريقيا. تراجعٌ لم يعد خافيًا على المتابعين، بل أصبح حديث أهل الاختصاص والمهنيين، وحتى عشاق السينما الذين اعتادوا على دورات تفيض بالحياة، بالحضور، وبالإشعاع الثقافي.
سهرتا الإفتتاح و الإختتام لم ترتقيا لمستوى التظاهرة
كشفت سهرة الانطلاق عن مستوى متدنٍ أثار موجة استياء واسعة، عبّر عنها إعلاميون بارزون عبر مقالات صدرت فور متابعتهم للعرض، حيث أجمعوا على أن الأمسية افتقرت إلى الحيوية وغلب عليها طابع قاتم، سادته الرتابة والتوتر بدل الإبهار المنتظر. ولم يكن المشهد الختامي أفضل حالًا، إذ جاء منفصلًا عن روح المناسبة، خاليًا من أبسط مظاهر الاحتفاء، فلا تفاعل مع الحضور ولا لحظات إنسانية تعبّر عن فرح المتوّجين، فضلًا عن كلمة ختام باهتة لا ترقى لقيمة التظاهرة. والأخطر من ذلك أن سهرة الاختتام فشلت في خلق أي تواصل مع الجمهور القليل الذي حضر، في سابقة لم تعرفها أيام قرطاج السينمائية منذ تأسيسها، حيث لم يسبق أن شهدت هذه التظاهرة العريقة مستوى بهذا القدر من الهزال وأجواء بهذا الحجم من الفتور كما حدث في دورتها السادسة والثلاثين لسنة 2025.
لأول مرة في تاريخ أيام قرطاج السينمائية، تسجّل القاعة حضورًا محتشمًا وعددًا كبيرًا من الكراسي الشاغرة في سهرة الاختتام. مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام:
أين اختفت أجواء الإحتفال-؟ وأين ذلك الإحساس بالاحتفال الذي يفترض أن يطبع سهرة الختام؟ بل أين ملامح الفرح التي تليق بلحظة تتويج سينمائي؟ حتى الفقرات الموسيقية جاءت مشبعة بالكآبة، وكأنها قُدّمت في إطار يفتقر كليًا إلى الروح الاحتفالية لا في مناسبة يفترض أن تعجّ بالحياة و الإمتاع.
والأكثر غرابة أن أبسط عناصر حفل الاختتام غابت تمامًا، إذ لم يُتح للمتوَّجين فرصة التعبير عن آرائهم أو مشاركة لحظاتهم، كما لم تصعد لجان التحكيم أو رئيسها للإعلان عن النتائج. تم توزيع الجوائز ببرودة لافتة، وبأسلوب يوحي بالرغبة في طيّ السهرة سريعًا، وكأن الحضور بأكمله ينتظر انتهاء الحفل لا الاستمتاع به.
حتى التانيت الذهبي، الجائزة الأرفع، تم تسليمه على عجل، دون كلمة للمتوّج، ودون تمكينه من التعبير عن فرحته أو تقديم تصريحه حول هذا التتويج المستحق. فهل يعقل أن يُحرم الفائز بالجائزة الكبرى من لحظة إنسانية وفنية تُخلّد في ذاكرة المهرجان؟
البرود لم يكن فقط في توزيع الجوائز، بل طال التقديم ذاته، الذي افتقر إلى الحماس وإلى الحدّ الأدنى من الإحساس بقيمة الحدث. لا رؤية إخراجية، لا إيقاع، ولا حتى محاولة لإضفاء طابع احتفالي على السهرة. وهو ما جعل الاختتام يبدو ثقيلاً، بلا روح، وبعيدًا كل البعد عن مستوى الدورات السابقة، خاصة تلك التي سبقت الثورة.
تراجع في البريق والضيوف
تراجع أيام قرطاج السينمائية لم يعد يقتصر على الشكل، بل شمل أيضًا بريق المهرجان وحضوره الدولي. فقد عرفت الدورات الأخيرة غيابًا شبه تام للنجوم الكبار، ما جعلها دورات باهتة ومحدودة الصدى.
إشكالية شارات الاعتماد: محاباة وولاءات
من أبرز النقاط السوداء التي فجّرتها هذه الدورة، مسألة منح شارات الاعتماد (البادجات)، حيث برزت بوضوح ممارسات غير نزيهة قائمة على المحاباة والولاءات. فقد لاحظ الجميع وجود عدد كبير من الأشخاص يتنقلون داخل القاعات وهم يحملون شارة “صحفي”، في حين تبيّن لاحقًا أن لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بمهنة الصحافة.
هذا الوضع المسيء لا يضر فقط بصورة المهرجان، بل يضرب مصداقية العمل الصحفي ويقصي المهنيين الحقيقيين. ووفق ما راج في الكواليس، فإن تحويرات مرتقبة ستشمل بعض اللجان، وعلى رأسها اللجنة المكلفة بالإعلام، مع إمكانية تعيين وجوه جديدة، وهو أمر نأمل أن يتحقق في أقرب الآجال.
مراجعة شاملة… قبل فوات الأوان
إن الدورة 36 لأيام قرطاج السينمائية تستوجب مراجعة عميقة وشاملة، ليس فقط لإنقاذ صورة المهرجان، بل للحفاظ على مكانته التاريخية ورمزيته الثقافية. فالأمر لم يعد يقتصر على هفوات تنظيمية، بل بات يهدد جوهر المهرجان وقيمه.
أيام قرطاج السينمائية ليست مجرد تظاهرة عابرة، بل مكسب وطني وثقافي يجب حمايته من التسيّب، ومن الممارسات الخارجة عن تقاليدنا، نحن التونسيين، في النزاهة والاحتراف واحترام الفن وأهله.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل تتحرك الجهات المسؤولة لتدارك هذا الانحدار؟
أم نواصل مشاهدة مهرجاننا العريق وهو يفقد بريقه دورة بعد أخرى؟