في عشيةٍ مشحونة بالإثارة والتوتر على أرضية ملعب حمادي العقربي برادس، نجح النادي الإفريقي في استعادة أمجاده المحلية بعدما حسم أمر لقب البطولة إثر انتصار ثمين على غريمه الترجي الرياضي في ديربي العاصمة، ليضع حداً لسنوات طويلة من الانتظار ويعيد درع البطولة إلى خزائنه بعد غياب دام أكثر من عقد.
المواجهة جاءت بحسابات معقدة وضغط جماهيري رهيب، خاصة أن الترجي خاض اللقاء مدعوماً بحضور جماهيري كبير قُدّر بحوالي 27 ألف مشجع، صنعوا أجواء استثنائية منذ اللحظات الأولى وأشعلوا مدرجات رادس بالحماس والهتافات المتواصلة. ورغم هذا الزخم الجماهيري، فإن الإفريقي عرف كيف يتعامل مع المباراة بتركيز كبير وانضباط تكتيكي واضح.
اللقاء لم يكن غنياً من الناحية الفنية بقدر ما كان مليئاً بالتشويق والتقلبات. الترجي حاول فرض نسقه المعتاد، غير أن العشوائية في بعض الفترات وغياب الحلول الهجومية الفعالة قلّصا من خطورته، في حين ظهر الإفريقي أكثر هدوءاً وتنظيماً، مستفيداً من خبرة مدربه فوزي البنزرتي الذي بدا وكأنه حضّر فريقه لكل تفاصيل المواجهة بدقة كبيرة.
كما شهدت المباراة توقفاً مطولاً دام حوالي تسع دقائق كاملة، بعدما غطّى الدخان الكثيف الناتج عن الشماريخ التي أطلقتها جماهير الترجي أرضية الملعب وحجب الرؤية بشكل شبه تام، ما دفع الحكم إلى إيقاف اللعب مؤقتاً إلى حين تحسن الظروف واستعادة الرؤية داخل الميدان.
ومع اقتراب المباراة من نهايتها، ازدادت حدة التوتر داخل الملعب وفي المدارج، خاصة بعد توقف اللعب في أكثر من مناسبة بسبب الأحداث التي رافقت الدقائق الأخيرة. كما ازدادت صعوبة مهمة الإفريقي عقب النقص العددي الذي تعرض له إثر إقصاء أحد لاعبيه، لكن الفريق واصل صموده بإصرار واضح ورغبة كبيرة في انتزاع اللقب.
وفي الوقت بدل الضائع، جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء. كرة قاتلة أنهت صمود الترجي وأشعلت فرحة لاعبي الإفريقي، قبل أن يتدخل حكم اللقاء النمساوي كريستيان بيترو تشوكيركا بالعودة إلى تقنية الفيديو للتثبت من صحة الهدف. دقائق الانتظار بدت ثقيلة على الجميع، قبل أن يأتي القرار النهائي باحتساب الهدف، لتنفجر المباراة فرحاً وحسرة في آن واحد.
هدف غيث الزعلوني لم يكن مجرد هدف انتصار، بل كان هدف بطولة أعاد الإفريقي إلى منصة التتويج ومنح جماهيره عشية تاريخية طال انتظارها. ومع صافرة النهاية، أعلن الفريق رسمياً حسم لقب البطولة قبل جولة من إسدال الستار على الموسم، بعدما وسّع الفارق في الصدارة وأكد تفوقه في أهم مباريات الموسم.
ورغم نجاح اللقاء تنظيمياً وتحكيمياً في أغلب فتراته، فإن الأجواء المشحونة أدت إلى بعض أعمال الشغب والاشتباكات في المدارج . ومع ذلك، نال الطاقم التحكيمي إشادة واسعة بفضل إدارته الهادئة والحاسمة للمباراة، خاصة في القرارات المصيرية .
ديربي العاصمة هذه المرة لم يكن مجرد مواجهة تقليدية بين قطبي الكرة التونسية، بل كان عنواناً للضغط والإثارة والصراع حتى آخر ثانية، قبل أن يبتسم المجد للنادي الإفريقي في عشية ستظل محفورة في ذاكرة جماهير الكرة التونسية طويلاً.