حين تصبح كلمة «دولي» أكبر من المهرجان عن مهرجانات تونسية.
Baha
13 ساعة مضت
نجوم و فنون
61 زيارة


بالمرصاد نيوز -نجوم و فنون

بقلم الصخفي بولبابة العيدودي
ارتفعت في التسمية… وتراجعت في الذوق والبرمجة والثقافة هناك كلمات تفقد قيمتها عندما نكثر من استعمالها في غير محلها. ومن بين أكثر الكلمات التي تحتاج اليوم إلى مراجعة في المشهد الثقافي التونسي كلمة «دولي». فليس كل مهرجان يستضيف فنانًا أو فرقة أجنبية يصبح دوليًا، وليس كل تظاهرة تضع كلمة «International» على ملصقها ترتقي تلقائيًا إلى مستوى المهرجانات الدولية. الدولية ليست زينة لغوية، ولا لقبًا يمنح بالمجاملة، ولا شهادة تُعلّق على واجهة المهرجان. الدولية مسؤولية قبل أن تكون تسمية. المهرجان الدولي الحقيقي يُقاس بقدرته على صناعة صورة ثقافية تتجاوز حدود المدينة والجهة والدولة، وبنوعية برمجته، وقيمة ضيوفه، وتنوع مشاركاته، وحجم تأثيره، وقدرته على خلق حوار بين الثقافات، إضافة إلى التنظيم والحوكمة والاستمرارية. أما أن يكون المهرجان محليًا في جمهوره، محدودًا في رؤيته، متواضعًا في برمجته، ثم نضع فوق رأسه تاج «الدولي»، فهذه ليست ترقية للمهرجان، وإنما تضخيم للاسم على حساب المضمون. وليس المقصود هنا التقليل من قيمة المهرجانات المحلية أو الجهوية. بالعكس. قد يكون المهرجان المحلي أكثر صدقًا وجمالًا وارتباطًا بذاكرة المكان من مهرجان يحمل صفة «الدولي» ولا يقدم من العالمية سوى اسمها. المحلي ليس عيبًا. العيب أن ندّعي الدولية حين لا تتوفر شروطها. من أين جاءت المشكلة؟ يبدو أن جزءًا من منظومة المهرجانات التونسية وقع في فخ قديم: كلما أردنا إعطاء تظاهرة أهمية أكبر، أضفنا إليها كلمة «دولي». وهكذا يمكن أن يتحول مهرجان صغير إلى «مهرجان دولي»، وتظاهرة محدودة الإمكانات إلى «ملتقى دولي»، ومجموعة من العروض المتفرقة إلى «حدث دولي». لكن ماذا عن المحتوى؟ ماذا عن المشروع الثقافي؟ ماذا عن سؤال الجمهور؟ وماذا سيبقى بعد انتهاء السهرة وإطفاء الأضواء؟ هذه الأسئلة هي التي يجب أن تحكم التقييم. واللافت أن وزارة الشؤون الثقافية التونسية نفسها فتحت خلال السنوات الأخيرة ملف تصنيف المهرجانات، وشددت على ضرورة اعتماد معايير واضحة ومضبوطة وعلى إعداد كراسات شروط ترتقي بالتنظيم، كما أكدت أن مضمون المهرجان ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار قبل إسناد الدعم، سواء كان المهرجان دوليًا أو محليًا. وهنا تحديدًا تكمن المسألة. عندما تتراجع البرمجة… وتبقى الصفة المهرجان ليس عدد السهرات. وليس عدد الكراسي. وليس حجم الملصق. وليس عدد الفنانين المعروفين على وسائل التواصل الاجتماعي. المهرجان مشروع ثقافي له فلسفة وهوية. وحين تصبح البرمجة مجرد تجميع سريع لأسماء الفنانين، دون خيط ثقافي واضح، ودون تنوع حقيقي، ودون مساحة كافية للفنون الجادة والشباب والمسرح والموسيقى التراثية والفنون البصرية والكتاب والنقاش الفكري، فإننا نكون أمام موسم سهرات أكثر مما نكون أمام مهرجان. وهنا يبدأ الانحدار الذوقي. ليس المطلوب أن تكون كل المهرجانات نخبوية أو أكاديمية، فالجمهور يريد الترفيه أيضًا، وهذا حق مشروع. لكن الترفيه لا يتناقض مع الثقافة. والشعبية لا تعني الابتذال. والجماهيرية لا تعني التخلي عن الذوق. المشكلة تبدأ عندما يصبح شباك التذاكر هو المدير الفني الحقيقي للمهرجان. هل استضافة أجنبي تصنع الدولية؟ بالطبع لا. استضافة فنان عربي أو أجنبي يمكن أن تكون عنصرًا من عناصر الانفتاح الدولي، لكنها وحدها لا تمنح المهرجان شهادة العالمية. فالوزارة نفسها قدمت في موسم 2026 نماذج من التبادل الثقافي الدولي، حيث شاركت فرق من عدة دول في مهرجانات تونسية مختلفة، وهو أمر يمكن أن يثري المشهد ويخلق جسورًا حقيقية بين الثقافات. لكن هناك فرقًا بين مشاركة دولية وبين مشروع مهرجان دولي. الأولى قد تحدث في ليلة واحدة. أما الثانية فتحتاج إلى رؤية كاملة. أين الثقافة؟ السؤال الأكثر إزعاجًا ربما هو: أين الثقافة في بعض مهرجاناتنا؟ حين ينتهي المهرجان، ماذا ترك وراءه؟ هل اكتشفنا فنانين جددًا؟ هل أنتج عملًا فنيًا؟ هل فتح نقاشًا حول قضية ثقافية؟ هل استضاف مبدعين من دول مختلفة لتبادل التجارب؟ هل أقام ورشات تكوين؟ هل اهتم بالتراث المحلي؟ هل صنع أرشيفًا؟ هل منح الشباب فرصة؟ هل ربط الثقافة بالسياحة والتنمية؟ هل أصبحت المدينة التي تحتضنه أكثر حضورًا على الخريطة الثقافية؟ أم أننا اكتفينا بمكبرات الصوت، ومنصة، وملصقات، ومجموعة من السهرات، ثم قلنا للجميع: كان مهرجانًا دوليًا؟ من «الدولي» إلى «الدولي الحقيقي» نحن لا نحتاج إلى إلغاء صفة «الدولي». بل نحتاج إلى إنقاذها. ينبغي أن تصبح هناك معايير معلنة وواضحة، يعرفها المنظم والجمهور والمبدع والداعم العمومي. يمكن مثلًا تقييم المهرجان وفق عناصر من بينها: المحتوى الثقافي، مستوى البرمجة، المشاركة الأجنبية الحقيقية، جودة التنظيم، الحوكمة والشفافية، استمرارية المشروع، أثره على المدينة والجهة، دعم المبدعين الشباب، علاقته بالتراث، قدرته على بناء شراكات دولية، وحجم حضوره خارج تونس. عندها فقط تصبح كلمة «دولي» نتيجةً وليست أمنية. لسنا ضد المهرجانات… بل ضد تسطيحها تونس بلد المهرجانات بامتياز، ولها أسماء صنعت تاريخًا ثقافيًا حقيقيًا، وفي مقدمتها مهرجانات وتظاهرات ذات حضور وامتداد دولي معروف. وقد أشارت الوزارة في وثائقها وبرامجها إلى مجموعة من المهرجانات الدولية الكبرى باعتبارها جزءًا من التظاهرات الثقافية الكبرى في البلاد. كما أن مهرجان قرطاج، مثلًا، يُقدَّم رسميًا باعتباره فضاءً للقاء الثقافات والتنوع الفني، وهو ما يضع على عاتقه مسؤولية تتجاوز مجرد تنظيم السهرات. لذلك فإن الدفاع عن قيمة المهرجانات التونسية لا يكون بالمجاملة. بل بالنقد. النقد أحيانًا هو أعلى درجات المحبة. المطلوب: سلم جديد للمهرجانات ربما حان الوقت لأن نمتلك في تونس تصنيفًا واضحًا: مهرجان محلي مهرجان جهوي مهرجان وطني مهرجان دولي مهرجان دولي مرجعي أو ذو إشعاع عالمي ولكل درجة شروطها. فلا يعقل أن تتساوى تظاهرة صغيرة مع مهرجان له تاريخ وعلاقات دولية وشبكة شراكات وإنتاج ثقافي وتأثير يتجاوز الحدود. ولا يعقل أيضًا أن يحصل مهرجان فقد بريقه ومضمونه على نفس الهالة التي يحصل عليها مهرجان يحافظ على هويته ويطور أدواته ويجدد جمهوره. كلمة أخيرة المشكلة ليست في كلمة «دولي». المشكلة في أن تصبح الكلمة أكبر من المهرجان. عندما يصبح الاسم عالميًا والمضمون محليًا جدًا، والملصق فخمًا والبرنامج فقيرًا، والميزانية كبيرة والأثر صغيرًا، والضجيج مرتفعًا والمحتوى منخفضًا، فإننا لا نرفع مستوى الثقافة، وإنما نخفض قيمة الكلمات. وتونس لا تحتاج إلى مزيد من المهرجانات التي تتنافس على صفة «الدولي». تونس تحتاج إلى مهرجانات تستحق الدولية. فقد يكون مهرجان صغير في قرية تونسية، إذا كان صادقًا ومبدعًا ومرتبطًا بتراثه، أكثر قيمة من مهرجان يرفع راية الدولية ولا يحمل من العالمية إلا الاسم. لننقذ المهرجان من الورق… قبل أن ننقذه من السقوط. ولنجعل القاعدة بسيطة: لا تسمِّ المهرجان دوليًا لأنه يريد أن يكون دوليًا؛ سمّه دوليًا لأنه أصبح كذلك. وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي للمشهد الثقافي التونسي.