

بالمرصاد نيوز – نجوم و فنون

بقلم محمد جمال الشرفي
كلما راكمت البشرية المزيد من المعارف والأدوات، بدا أن بعض العقول تنغلق على يقينيات بالية. فالعلم يتقدم بخطى متسارعة، والتكنولوجيا تغير حياتنا، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طرق اكتساب المعرفة، ومع ذلك، لا يزال جزء ممن يدّعون تنوير المجتمع يفكرون بعقلية تنتمي إلى حقبة ولت؛ فالعالم يتغير، بينما تظل نظرتهم ثابتة لا تتغير.
وهذا يدل على أن التقدم المادي لا يضمن بالضرورة تقدماً في الفكر؛ إذ يمكن لمجتمع ما أن يمتلك آلات مذهلة بينما تظل عقليات أفراده متجاوزة وعفا عليها الزمن. يمكن لهذا المجتمع أن يتواصل لحظياً بين القارات دون أن يحقق حواراً حقيقياً، وأن يخزن مليارات البيانات دون أن يتعلم التمييز بين المعلومة والمعرفة، أو بين المعرفة والحكمة.
لا يعتبر العلم أي حقيقة أمراً مسلماً به بشكل نهائي؛ فهو يختبر أفكاره ويواجهها بالحقائق، ويتخلى عن النظرية متى ما جاء اكتشاف جديد لينقضها. ومحركه ليس غرور من يظن أنه يمتلك المعرفة، بل شك من لا يزال في رحلة البحث. أما التكنولوجيا، فهي تحول تلك الأفكار إلى أدوات؛ لقد غيرت علاقتنا بالزمن والمكان والعمل وإنتاج المعرفة. وتفرض علينا تقنيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والروبوتات وتحليل البيانات إعادة النظر في مكانتنا، إذ أصبحت الآلات تؤدي مهاماً كانت حكراً على البشر في الماضي. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما مصير العقل البشري حين يتغير العالم بوتيرة أسرع من قدرة العقل على استيعابه وفهمه؟
وهنا تبرز شخصية “المثقف الزائف”؛ فهو ليس شخصاً يفتقر إلى الشهادات العلمية أو الثقافة، بل قد يمتلك حصيلة لغوية غنية وذاكرة قوية وطلاقة في الحديث. إنه يستشهد بكبار المفكرين ويضفي على آرائه طابع الحقائق الثابتة، غير أن فكره يظل أسير التكرار والاستعراض، ويرفض مراجعة نفسه أو مساءلة قناعاته. إنه يخلط بين الثقافة وتكديس المراجع، وبين الذكاء والبراعة في الحديث، وبين السلطة والحقيقة. إنه يدافع عن فكرة قديمة لأنها تضمن له مكانة مريحة؛ فلم يعد يسعى لفهم العالم، بل يسعى لحماية موقعه.
وهنا يكمن الفرق الحقيقي بينه وبين المثقف الأصيل. فبالنسبة للأخير، يُعد الفكر ورشة عمل مفتوحة باستمرار، أما بالنسبة للآخر، فهو منطقة يجب الدفاع عنها. يرى الأول في التناقض فرصةً للتعلم، بينما يراه الثاني تهديداً.
ومع ذلك، لا ينبغي لنا إدانة مفكري الماضي؛ فأعمالهم الفلسفية والعلمية والأدبية لا تزال تنير حاضرنا. لا تكمن المشكلة في قِدَم الفكرة، بل في رفض إخضاعها للمقارنة مع المعارف الجديدة. تظل الفكرة القديمة مفيدة إذا كانت تتحاور مع عصرها، بينما قد تكون الفكرة الحديثة متخلفة إذا كانت تستند إلى أحكام مسبقة. إن الانقسام الحقيقي ليس بين القدامى والمحدثين، بل بين من يتقبلون تغير الواقع ومن يريدون تجميد أفكارهم.
لذا، فإن الحداثة تتطلب أكثر من مجرد معرفة استخدام الهاتف الذكي أو شبكات التواصل الاجتماعي؛ فهي تستلزم عقلاً نقدياً قادراً على مساءلة المصادر، والتحقق من الحقائق، وكشف أساليب التلاعب، وتقدير العواقب الإنسانية للابتكارات. إذ يمكن للمرء أن يعاصر التكنولوجيا دون أن يكون مواكباً لها بفكره.
إن الأدوات التي تسهل الوصول إلى المعرفة قد تؤدي أيضاً إلى تفاقم الجهل. فشبكات التواصل تنشر الاكتشافات العلمية في ثوانٍ معدودة، لكنها تمنح أيضاً انتشاراً واسعاً للمزاعم الزائفة، والتفسيرات السطحية، والخطابات التي تلاعب بالعواطف. فالمعلومة التي تنتشر بسرعة ليست بالضرورة صحيحة، والرأي الشائع ليس بالضرورة صائباً. وفي هذا السياق، يكفي أحياناً إتقان فن التواصل،
وتكرار التصريحات القاطعة، واصطناع مظهر المتعالي، ليُنظر إلى المرء باعتباره مرجعيةً أو سلطةً فكرية. يحلّ الاستعراض محلّ التفكير، وتحلّ اليقينية محلّ الحجّة.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على أفراد قلائل، بل تطال كل مجتمع يُعلي من شأن المظاهر على حساب الكفاءة، والجدل العقيم على حساب التحليل، والولاء للخطابات السائدة على حساب شجاعة مساءلتها. كما يمكن توظيف ابتكارات العصر الراهن بمنطق الماضي: كاستخدام الذكاء الاصطناعي دون إدراك حدوده، ومشاركة المحتوى دون التحقق من صحته، والتصفيق للابتكارات دون التفكير في عواقبها الأخلاقية.
ويُعدّ هذا تحدياً كبيراً للتعليم؛ فإعداد العقول لعالم اليوم لا يقتصر على نقل المهارات التقنية، بل يتطلب تعلّم التفكير المنطقي، وبناء الحجج، وحسن الاستماع، والتمييز بين الحقائق والآراء، وتقبّل حالة عدم اليقين حين تكون واقعية. فالتعليم الجيد لا يُخرّج أشخاصاً يكتفون بسرد الإجابات المتوقعة، بل أفراداً قادرين على طرح الأسئلة الصحيحة. كما ينبغي لهذا التعليم أن يعيد الاعتبار للتواضع الفكري؛ فالاعتراف بحدود المعرفة ليس ضعفاً، بل هو بداية…التبصّر. في عالم تتجدد فيه المعرفة بسرعة، لا أحد يستطيع الإلمام بكل شيء. ولا يُقاس العقل بما يمتلكه من يقينيات، بل بقدرته على التعلم وتصحيح أحكامه، وعلى الإقرار بصحة فكرة ما حتى وإن كانت تزعجه.
ومن السذاجة أيضاً الاعتقاد بأن العلم والتكنولوجيا يجعلان المجتمع أكثر عدلاً أو حرية أو ذكاءً بشكل تلقائي؛ فالابتكار قد يخدم المعرفة بقدر ما يخدم التلاعب، ويعزز التضامن بقدر ما يكرّس الهيمنة. إن القوة التقنية تفتقر إلى بوصلة أخلاقية: فهي توسّع آفاق إمكاناتنا، لكنها لا تحدد كيفية استخدامنا لها. لذا، لا بد أن يقترن التقدم العلمي بتأمل فلسفي وسياسي وأخلاقي. فالمجتمع بحاجة إلى باحثين للاكتشاف، ومهندسين للبناء، وكذلك إلى مثقفين لتفسير هذه التحولات، ومساءلة غاياتها، وقياس آثارها على الإنسان. إنه بحاجة إلى فكر لا هو أسير للحنين إلى الماضي ولا هو مفتون بالجديد؛ فكر متجذر بما يكفي لفهم التاريخ، وحر بما يكفي لئلا يصبح سجيناً له.
لا تكمن المشكلة الحقيقية لدى “أشباه المثقفين” في التشبث بأفكار عفا عليها الزمن فحسب، بل في تحويل تلك الأفكار إلى حدود فاصلة، ثم اعتبار تلك الحدود بمثابة حدود العالم بأسره. إنهم يقرأون الحاضر من خلال أطر تحليلية لم تعد كافية، ويفضلون اتهام الواقع بأنه يفلت من قبضتهم بدلاً من تجديد رؤيتهم له. وفي غضون ذلك، يمضي العلم في طريقه، وتفتح التكنولوجيا آفاقاً جديدة، وتتغير المجتمعات – أحياناً بوتيرة أسرع مما تستطيع مؤسساتها استيعابه. فالعالم لا ينتظر أحداً.
إن الحداثة الحقيقية لا تُقاس بتطور الآلات ولا بحجم المعلومات المتاحة. يُقاس الأمر بالقدرة على مواكبة التقدم دون التخلي عن الروح النقدية، وعلى تقبّل الجديد دون فقدان ملكة التمييز، وعلى الحفاظ على مكتسبات الماضي دون تحويلها إلى عقائد جامدة. ولا يكمن الخطر الأكبر في تزايد قوة التكنولوجيا، بل في أن يتخلى الإنسان -المحاط بأدوات تزداد كفاءةً باستمرار- تدريجياً عن استخدام ذكائه الخاص. بوسع الحضارة أن تتجاوز أخطاءها التقنية، لكنها تواجه خطراً أكبر حين تكف عن مساءلة يقينياتها وتخلط بين السلطة والحقيقة، أو بين البلاغة والفكر.
يمضي العلم قدماً لأنه يتقبل الشك، وتتقدم التكنولوجيا لأن العقل يجرؤ على تصور احتمالات أخرى، ويظل الفكر حياً لأنه يرفض اعتبار نفسه مكتملاً ونهائياً. ويبقى أن نرى ما إذا كان العقل البشري قادراً على مواكبة هذا الحراك، أم أنه سيظل ينظر إلى اختراعات المستقبل بعيون ماضٍ لم يُخضعه يوماً للمساءلة الحقيقية.