

بالمرصاد نيوز – وطنية

بقلم محمد جمال الشرفي
تُعدّ تكلفة المعيشة المرتفعة المشكلة الرئيسية التي يواجهها التونسيون اليوم؛ وهو وضع يثقل كاهل المواطنين ويهدد القدرة الشرائية للأسر، لا سيما فيما يتعلق بالمواد الغذائية الأساسية والفواكه والخضروات. ومع ذلك، فإن حل هذه الأزمة لا يمكن أن يقتصر على مجرد مراقبة الأسعار ومكافحة المضاربة، بل يتطلب تحليلاً للأسباب الجذرية لاختلال توازن السوق ووضع استراتيجية واضحة تضمن التوازن بين مصالح المزارعين والتجار من جهة، وحقوق المستهلكين من جهة أخرى.
تكمن إحدى المشكلات الرئيسية في السوق التونسية في غياب نظام فعال لتخزين المواد الغذائية، ولا سيما المنتجات الزراعية التي يخضع إنتاجها للتقلبات الموسمية والظروف المناخية المتقلبة. فبدلاً من استغلال فترات الوفرة لتكوين مخزون استراتيجي وسد النقص، تتأرجح السوق بين مراحل فائض الإنتاج التي تؤدي إلى انهيار الأسعار، وفترات الندرة التي تتسم بارتفاع مفرط فيها. والنتيجة هي أن المزارع يواجه خطر ضياع ثمرة جهده وعدم تغطية تكاليف الإنتاج عند انخفاض الأسعار، بينما يعجز المستهلك عن مواجهة غلاء الأسعار عندما يقل العرض.
إن المزارع التونسي ليس مجرد منتج يزرع ويحصد، بل هو حلقة أساسية في منظومة الأمن الغذائي للبلاد؛ فهو يواجه يومياً تحديات جسيمة تتعلق بتكاليف الإنتاج، وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية والنقل واليد العاملة، فضلاً عن المخاطر المناخية. غالباً ما يجد المزارع نفسه مضطراً لبيع محصوله بأسعار لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج، أو تكبد خسائر فادحة لغياب آليات فعالة للتخزين والترويج والتوزيع. ومع ذلك، لا يجد دائماً الحلول التي تتيح له الحفاظ على ثمرة عمله وضمان استمرارية نشاطه.

وفي الوقت نفسه، غالباً ما تهدف جهود الرقابة الاقتصادية إلى مكافحة المضاربة والممارسات الاحتكارية؛ ورغم أن هذه المهمة جوهرية لحماية المستهلك، إلا أنها لا تكفي وحدها لضبط السوق وتصحيح مسارها. فالواقع أن ليس كل تخزين للسلع يندرج ضمن الاحتكار، كما أن التخزين في حد ذاته لا يُعد مخالفة؛ بل قد يكون أداة أساسية لتنظيم العرض والأسعار، شريطة أن يتم ذلك في إطار قانوني واضح، وأن يشمل كميات معلومة، وأن يهدف إلى ضمان استمرارية الإمداد بدلاً من التسبب المصطنع في نقص السلع أو التلاعب بالسوق. لذا، من الضروري التمييز بين التخزين المشروع -الذي يعزز استقرار السوق- وبين الممارسات الاحتكارية التي تضر بكل من المنتج والمستهلك.
إن غياب رؤية شاملة يؤدي إلى تناقضات غير مقبولة في السوق التونسية؛ فتارةً ترتفع الأسعار إلى مستويات مفرطة تثقل كاهل المواطن، وتارةً أخرى تنهار لدرجة تعجز فيها عن ضمان حد أدنى من الربحية للمزارع، بل قد تجعل بيع المحصول عملية خاسرة. وحتى التاجر -الذي يمثل حلقة الوصل بين المزارع والمستهلك- قد يجد نفسه في مواجهة تكاليف مرتفعة ومخاطر متزايدة وهوامش ربح ضئيلة؛ وبذلك، ينتهي المطاف باضطرابات السوق لتطال جميع الأطراف المعنية. لا يكمن الحل في تحميل المزارع وحده مسؤولية ارتفاع الأسعار، ولا في توجيه الاتهامات المسبقة للتجار أو القائمين على التخزين، ولا في الاكتفاء بحملات مراقبة ظرفية. بل يبدأ الحل الحقيقي بوضع استراتيجية وطنية واضحة لتنظيم السوق، ترتكز على إرساء نظام فعال لتخزين المنتجات الزراعية، وتطوير المستودعات المبردة ومراكز التجميع، وتحسين وسائل النقل والتوزيع، فضلاً عن تتبع الإنتاج والكميات المتاحة واحتياجات الاستهلاك. كما ينبغي اعتماد آليات تدخل تتسم بالشفافية في حالات الفائض أو النقص، وذلك لحماية المزارع من انهيار الأسعار وحماية المستهلك من الارتفاعات غير المبررة.
ومن الضروري أيضاً مراجعة آليات تسويق المنتجات الزراعية، لتجنب إجبار المزارع على بيع محصوله في سوق محددة أو عبر مسار توزيع مفروض، بغض النظر عن وضعه أو مصالحه؛ إذ يجب أن يتمتع بحرية اختياره.