ين الحنين الشعبي وواقع الاقتصاد. هل يمكن إحياء المشاريع العمومية في تونس؟
Baha
يونيو 4, 2025
جهات و حوادث مرور
557 زيارة


مكتب صفاقس

بقلم مجمد جمال الشرفي
في خضم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة التي تعيشها تونس، برزت موجة من الحنين الشعبي إلى عدد من المؤسسات العمومية التي تم تفكيكها أو الاستغناء عنها في فترات مختلفة من تاريخ البلاد، سواء خلال العهد السابق أو ما بعد الثورة. حنين يستند إلى ذاكرة جماعية تُجسّد هذه المؤسسات كرموز للسيادة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، مقابل حاضر يُثقل كاهل المواطن بالتضخم والبطالة والشكوك حول المستقبل.
لكن حين يُقارن هذا الحنين بالمعطيات الاقتصادية الراهنة، تتضح فجوة كبيرة بين ما تختزنه الذاكرة الشعبية من رمزية، وما تفرضه الحقائق من ضرورات.
مشاريع عمومية انتهت: هل كانت النهاية حتمية أم قرارًا سياسيًا؟
خلال العقود الماضية، اختفت من المشهد التونسي مؤسسات وطنية كبرى مثل الشركة التونسية لإنتاج الحليب (STIL) وديوان الحبوب، وغيرها من المؤسسات التي كانت في وقت ما تشكّل أعمدة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية. وتنوعت الأسباب التي أدت إلى هذا المصير بين:
ضعف الأداء والنجاعة: عانت بعض المؤسسات من سوء التسيير وهدر الموارد، وفشلت في تحقيق التوازن المالي، ما جعل استمراريتها عبئًا على الدولة.
التخلف عن ركب التطور: ظلت تشتغل وفق منظومات تقليدية لم تواكب التحولات التكنولوجية أو متطلبات السوق.
تأثير المصالح الضيقة: في بعض الفترات، تدخلت أطراف نافذة لتعطيل أو إضعاف هذه المؤسسات، إمّا بدافع المنافسة غير النزيهة، أو لأهداف سياسية واقتصادية مشبوهة.
هل يمكن إعادة إحياء هذه المؤسسات؟
رغم ارتفاع الأصوات المطالِبة بإعادة تشغيل هذه المؤسسات، فإن العودة إلى ما كانت عليه تبدو، في كثير من الحالات، ضربًا من الخيال. فالعقبات عديدة، من أبرزها:
اهتراء البنية التحتية وتعطّل المنظومات: توقفت هذه المشاريع منذ سنوات، وتجهيزاتها أصبحت غير صالحة تقنيًا أو اقتصاديًا.
غياب رؤية واضحة لإعادة الهيكلة: أي عملية لإعادة إحياء هذه المؤسسات تتطلب تخطيطًا طويل المدى، وموارد مالية ضخمة، وكفاءات فنية وإدارية.
تغير خارطة السوق: لم تعد قواعد اللعبة الاقتصادية كما كانت قبل عقود، وما كان ناجعًا بالأمس قد لا يكون ذا جدوى اليوم.
المستقبل: بين الواقعية والابتكار
الاعتماد على الحنين العاطفي في رسم السياسات الاقتصادية قد يُرضي المشاعر، لكنه لا يصنع الحلول. ما تحتاجه تونس اليوم هو مقاربة واقعية وشجاعة توازن بين الذاكرة الجماعية وحاجيات المستقبل، عبر:
ابتكار مشاريع جديدة تتماشى مع حاجيات السوق ومتطلبات التصدير والجودة.
تشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص لضمان استدامة الاستثمار.
تحقيق الحوكمة والشفافية في التخطيط والتنفيذ للقطع مع الفساد والبيروقراطية.
خلاصة
الحنين إلى الماضي مفهوم وإنساني، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن التخطيط الرشيد. بعض المؤسسات العمومية، رغم رمزيتها، قد طوت صفحتها ولا مجال لبعثها من جديد. وما تحتاجه تونس اليوم هو بناء واقع اقتصادي جديد، لا يتغذى من خيالات الماضي ولا يركن إلى شعبوية اللحظة، بل يستند إلى كفاءة في الإدارة، وجرأة في الإصلاح، ورؤية مستقبلية قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية.