في مشهد يُلخص الإهمال الإداري والتسيّب في إدارة الموارد الحيوية، تتواصل منذ أكثر من ست سنوات عملية إهدار كميات هائلة من المياه العذبة بمدينة المحمدية دون رقيب أو حسيب. المياه المنبعثة من قنوات الحنايا الرومانية التاريخية، القادمة من زغوان، تتدفق دون انقطاع، دون أن يتم استغلالها أو حتى التدخل للحد من نزيف هذا المورد الحيوي، في بلد يعاني أصلًا من ندرة المياه وتراجع معدلات الأمطار في السنوات الأخيرة.
هذه القنوات، التي تُعد من أعرق المعالم التراثية والهندسية في تونس، كانت في وقت ما تُغذي القصر الرئاسي بقرطاج خلال حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، حسب شهادات متطابقة من بعض أهالي الجهة. غير أن ما بعد الثورة، وتحديدًا منذ سنة 2018، تحوّلت هذه الحنايا إلى مصدر إزعاج بيئي بعد أن تعرّض جزء كبير منها إلى التخريب المتعمّد من قبل بعض السكان المحليين، الذين عمدوا إلى تغيير مجرى المياه نحو وجهات عشوائية، تاركين مئات الأمتار المكعبة تُهدر يوميًا في العراء.
الفضيحة الحقيقية لا تكمن فقط في عملية التهشيم والتخريب، بل في صمت السلطات المحلية والجهوية والمركزية، التي لم تحرّك ساكنًا طيلة هذه السنوات، رغم حجم الكارثة البيئية والاقتصادية. لا من الوالي، ولا من مسؤولي الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه، ولا حتى من وزارات الإشراف، من تحمّل مسؤوليته أمام هذا الهدر اليومي الذي يتعارض مع كل دعوات ترشيد الموارد المائية.
في المحمدية اليوم، تُهدر المياه على مرأى من الجميع، فيما تعاني أحياء بأكملها من العطش والانقطاعات المتكررة في التزود بالماء. المياه تجري على بعد أمتار من المنازل، لكنها لا تصل إلى الصنابير، وكأنها ملْك لا صاحب له. هذا المشهد لا يعكس فقط الإهمال، بل يكشف غياب أي تخطيط أو رقابة على واحدة من أهم الثروات الطبيعية التي لا تقدر بثمن.
أهالي المحمدية عبّروا عن غضبهم الشديد واستيائهم العميق من هذا الوضع المزري، مطالبين بتدخل فوري من الجهات العليا، وعلى رأسها رئيس الجمهورية قيس سعيد، من أجل وضع حد لهذا النزيف الذي يُعد جريمة بيئية واقتصادية في حق الدولة والشعب. خاصة “وأن تدخل الرئيس بنفسه في مثل هذه القضايا بات مشهدًا مألوفًا، إذ لولا تحركاته الميدانية الحاسمة، لبقيت الكثير من الإشكالات قائمة دون حلول فعلية.”
إننا اليوم أمام واجب وطني وأخلاقي: إنقاذ ما تبقى من مياه الحنايا، ومحاسبة كل من ساهم بصمته أو تقاعسه أو تورطه في هذا الإهدار الفادح. تونس لا تحتمل المزيد من العبث، والمياه اليوم لم تعد مجرد مورد، بل قضية أمن قومي يجب التعامل معها بكل الجدية اللازمة.