سقوط القلم أمام شباك التذاكر: أين اختفى النقد في مهرجاناتنا؟
Baha
9 ساعات مضت
نجوم و فنون
51 زيارة


بالمرصاد نيوز – نجوم و فنون

بقلم صحفية الموقع
شيماء اسماعيلي
حين يتماهى قلم الناقد مع صدى التصفيق، وتتحول الأقلام الصحفية إلى مجرد أصداء لماكينات الدعاية والإعلان، يفقد المشهد الثقافي بوصلته الحقيقية. لقد تحولت جلّ التغطيات الإعلامية للمهرجانات الصيفية الكبرى في تونس إلى قوالب جاهزة ومستهلكة، حيث تتطابق العناوين والتقارير بغض النظر عما دار فوق الخشبة.

عدوى النجاح الدائم وأزمة التنميط
تستيقظ الساحة الثقافية كل صيف على وقع استنساخ فضفاض لنفس المضمون؛ مدرجات غاصة بالجمهور، شباك تذاكر محظوظ، وهتافات صاخبة ترافق كل صاعد على الركح. وأمام هذا التدفق البشري الهائل الذي خلفته سنوات الجائحة، سقط جزء واسع من الإعلام في فخ التعميم العاطفي. وأصبح امتلاء المدارجات بمثابة تذكرة عبور جاهزة للنجاح، تغني المتابع عن الخوض في التفاصيل الدقيقة للأداء، متناسين الفارق الجوهري بين النجاح التجاري البحت والإبداع الفني الرصين.
غياب البوصلة النقدية
تتعدد محاور الخلل حين تُختزل التغطية الصحفية في محضر اجتماع احتفالي ينقل صور الحشود وعبارات الإطراء. فالعمل الفني المركب يتقاطع فيه الأداء الصوتي، التوزيع الموسيقي، الانضباط الركحي، وهندسة الصوت والإضاءة. وحين يتغاضى الصحفي عن رصد النشاز أو رتابة العروض، فإنه لا يُجامل الفنان فحسب، بل يُضلل المتلقي.
تتسلل هنا هواجس مهنية مشروعة حول خلفيات هذا التستر النمطي؛ أفلا يخشى بعض المراسلين خسارة الامتيازات، أو حرمانهم من اعتمادات الحضور في الدورات القادمة؟ إن تحول الناقد إلى حارس مصالح أو مروج علاقات عامة يفرغ رسالة الصحافة الثقافية من محتواها، ويجعل القلم أسيراً لإملاءات المنظمين.
نحو صحافة جريئة وصادقة
الجمهور التونسي ليس متلقياً ساذجاً؛ فهو يملك القدرة على التمييز بين حفل استثنائي صنعه الإبداع، وآخر عمره الحضور الجماهيري الغفير المرتبط بشهرة الفنان وحدها. ومن هذا المنطلق، لا يحتاج المبدع الحقيقي إلى مجاملات مجانية، بل تخدمه الملاحظات الموضوعية التي تدفعه لتطوير أدائه.

تبقى مسؤولية الكلمة أثقل بكثير من زغاريد الحفلات التي تنطفئ أضواؤها مع بزوغ الفجر. فالصحافة الحقة هي التي تبقي أضواء الوعي مشتعلة، تنقض الفساد وترتقي بالذوق العام، وتنتصر للحقيقة النقدية مهما كانت مُرة، حتى لا يتحول الإعلام الثقافي إلى مجرد أداة تكميلية في مسرح العبث التسويقي.