الرئيسية / مجتمع / شباب تونس على حافة الهاوية: بين هجرة العقول ومحارق السجون.

شباب تونس على حافة الهاوية: بين هجرة العقول ومحارق السجون.

.

 

بالمرصاد نيوز – مجتمع

 

 

بقلم صحفية الموقع

شيماء اسماعيلي

تتخبط تونس منذ أكثر من عقد  على وقع مخاض اجتماعي واقتصادي عسير، تتشابك فيه خيوط الأزمة لتفرز واقعاً مقلقاً يتجاذب فيه شبابها مصيرين كلاهما مرّ؛ إما هروب جماعي نحو المجهول عبر هجرة غير مأمونة العواقب، أو سقوط مدوٍ في مستنقع الجريمة الذي يبتلع الطموحات خلف أسوار السجون. وبين شاب امتطاء مراكب الأمل الوهمي باحثاً عن ذاته خارج الحدود، وآخر صدَمته جدران الواقع فانتهى به المطاف نزيلاً في زنزانة مظلمة، تتقاطع الم مآسٍ لتطرح سؤالاً مصيرياً جارحاً: من بقي لتونس حين يُزجّ بالشباب بين مطرقة المنفى وسندان الاعتقال؟

هجرة الكفاءات : نزيف يستنزف طاقات الوطن

لم تعد ظاهرة هجرة الكفاءات مجرد تطلعات فردية لتحسين الظروف المعيشية، بل تحولت إلى استنزاف نزيفي صامت يفرغ الدولة من عمودها الفقري. فالأطباء، والمهندسون، والباحثون، وأصحاب المهارات النادرة، هم ثمرة استثمار وطني طويل الأمد في التعليم والتكوين. غير أن انسداد الأفاق، وضبابية المشهد الاقتصادي، وهوان الأجور أمام غلاء المعيشة، كلها عوامل جعلت من البقاء في الوطن ترفاً لا يقدر عليه إلا القليل. وحين تختار النخب والكوادر مغادرة التراب التونسي، فإنها لا تبحث فحسب عن الرزق، بل تبحث عن الاعتبار الإنساني والمهني الذي ضنّت به عليها دورته المحلية، لتستفيد من جهودها اقتصادات أجنبية بناءً على جاهزية تونسية صرفة.

 

السجن والجريمة: المحرقة الكبرى لمستقبل الشباب

على الشق المقابل، تطل الجريمة بوجهها القبيح لتشكل المأساة الأكثر تدميراً للبنية المجتمعية. إن تنامي الجريمة وانخراط فئات شبابية واسعة في أتونها لا ينفصل بحال عن واقع الفقر المدقع، والبطالة الهيكلية، والتهميش الممنهج، والانقطاع المبكر عن التعليم. غير أن الكارثة الحقيقية تكمن في قسوة المنظومة الزجرية وطول العقوبات السجنية؛ فبدل أن يكون السجن فضاءً للإصلاح والتهذيب، يتحول في كثير من الأحيان إلى “محرقة” حقيقية تحطم ما تبقى من نفسية الشاب وتغتال أحلامه بالكامل. إن طول سنوات العقوبة لا يقضي فقط على سنوات عمر الجاني، بل يوجه ضربة قاضية لمستقبله المهني والاجتماعي، ليخرج الشاب من أسوار السجن وقد مُحيت أي فرصة لاندماجه من جديد، محاصراً بوصمة عار اجتماعية تدفعه في الغالب نحو العود الجرمي بنسبة أكبر. هكذا تقضي العقوبات القاسية وطول مدد الإيقاف على طموحات جيل كامل، لتتحول طاقات الشباب من روافد للبناء إلى قنابل موقوتة تهدد أمن المجتمع وسلامته.

مهاجر وسجين: وجهان لعملة “غياب الأفق”

رغم التباين الظاهري بين مسار المهاجر الذي اختار الفضاء الواسع، ومسار السجين الذي قُيِّد وُأسر بين الجدران الصماء، إلا أنهما يلتقيان عند نقطة جذرية واحدة: انعدام الأمل وغياب الأفق. الأول هرب بجلده وعقله، والثاني انزلق نحو الهاوية لعدم وجود بدائل تحميه من السقوط. وفي الحالتين، الخاسر الأكبر هي تونس التي تتبدد طاقات أبنائها بين شتات المهجر وقسوة المعتقلات في منظومة سجنية باتت تستوجب ثورة إصلاحية عاجلة.

بناء الأمل بدل صناعة الجدران

إن طوق النجاة الوحيد للبلاد يكمن في مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية والترقيعية الظرفية. فعلى الدولة صياغة سياسات اقتصادية جريئة تربط منظومة التعليم بمتطلبات سوق العمل الحقيقية، وتحفز الاستثمار والمبادرة الخاصة لفتح نوافذ الأمل أمام الجيل الصاعد. وبالموازاة مع ذلك، تحتم الضرورة إرساء سياسة جنائية واقية وبدائل للعقوبات السالبة للحريات بالنسبة للجنح البسيطة، ترتكز على التأهيل والإحاطة النفسية والاجتماعية، لئلا يكون السجن محطة نهائية تغلق الأبواب في وجه الشباب. كما تقع على عاتق الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني مسؤولية أخلاقية جسيمة لحماية الناشئة من الانحراف والتهميش.

خلاصة القول: لا تكمن فاجعة تونس الحقيقية فقط في عدد المغادرين للحدود ولا في طوابير السجناء، بل في ذلك الشعور القاتل المتسرب إلى وجدان كل شاب بأن وطنه قد لفظه ولم يعد يتسع لأحلامه. وحين تصبح الخيارات محصورة بين منفى جغرافي أو سجن قسري، يصبح السؤال الأعمق ليس “من بقي لتونس؟”، بل: متى نكفّ عن دفع شبابنا نحو حافة الرحيل أو خلف القضبان؟

عن Baha

شاهد أيضاً

مبادرة إنسانية للصحفية ريم شاكر: زرع الأمل ورسم الابتسامة لفائدة فاقدي السند بسيدي ثابت.

بالمرصاد نيوز – محتمع   بقلم صحفية الموقع شيماء اسناعيلي في خطوة تجسد أسمى معاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *