تتخبط تونس منذ أكثر من عقد على وقع مخاض اجتماعي واقتصادي عسير، تتشابك فيه خيوط الأزمة لتفرز واقعاً مقلقاً يتجاذب فيه شبابها مصيرين كلاهما مرّ؛ إما هروب جماعي نحو المجهول عبر هجرة غير مأمونة العواقب، أو سقوط مدوٍ في مستنقع الجريمة الذي يبتلع الطموحات خلف أسوار السجون. وبين شاب امتطاء مراكب الأمل الوهمي باحثاً عن ذاته خارج الحدود، وآخر صدَمته جدران الواقع فانتهى به المطاف نزيلاً في زنزانة مظلمة، تتقاطع الم مآسٍ لتطرح سؤالاً مصيرياً جارحاً: من بقي لتونس حين يُزجّ بالشباب بين مطرقة المنفى وسندان الاعتقال؟
هجرة الكفاءات : نزيف يستنزف طاقات الوطن
لم تعد ظاهرة هجرة الكفاءات مجرد تطلعات فردية لتحسين الظروف المعيشية، بل تحولت إلى استنزاف نزيفي صامت يفرغ الدولة من عمودها الفقري. فالأطباء، والمهندسون، والباحثون، وأصحاب المهارات النادرة، هم ثمرة استثمار وطني طويل الأمد في التعليم والتكوين. غير أن انسداد الأفاق، وضبابية المشهد الاقتصادي، وهوان الأجور أمام غلاء المعيشة، كلها عوامل جعلت من البقاء في الوطن ترفاً لا يقدر عليه إلا القليل. وحين تختار النخب والكوادر مغادرة التراب التونسي، فإنها لا تبحث فحسب عن الرزق، بل تبحث عن الاعتبار الإنساني والمهني الذي ضنّت به عليها دورته المحلية، لتستفيد من جهودها اقتصادات أجنبية بناءً على جاهزية تونسية صرفة.