صفاقس في حقبة الأربعينيات والخمسينيات: صور من زمن التحولات الكبرى.
Baha
4 أيام مضت
جهات و حوادث مرور
124 زيارة


بالمرصاد نيوز – صفاقس

بقلم محمد جمال الشرفي
.تحمل صور صفاقس التي التقطت بين عامَي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي شهادةً نادرة على مدينة كانت تعيش على وقع أحداث جسيمة، بعضها سبق الحرب العالمية الثانية وبعضها جاء في أعقابها، فجمعت هذه اللقطات بين ملامح مدينة هادئة راسخة في عاداتها وبين آثار دمار طال بعض معالمها الأكثر عراقةً وأصالةً.

على امتداد شاطئ الكورنيش كان يقوم السوق المركزي، ذلك الفضاء التجاري الذي جمع أهل المدينة وربطهم بيومياتهم وحاجياتهم، وقد ظل شاهداً على حركة المدينة وتدفق حياتها الاقتصادية قبل أن تُعيد إليه التحولات اللاحقة ملامح مغايرة. وليس بعيداً عن ذلك، كانت شوارع المدينة تسير في صمت هادئ، تعكس فيها واجهاتها الاستعمارية والعربية المتداخلة روحاً معمارية تمزج بين الموروث المحلي والتأثير الأوروبي الذي رسّخته عقود من الحضور الفرنسي.
غير أن الحرب العالمية الثانية تركت في نسيج المدينة جروحاً لم تُمحَ بسهولة. فالمسرح البلدي القديم، ذلك الصرح الثقافي الذي كان يُشكّل قلب الحياة الفنية في صفاقس، لم يُفلت من ويلات المناورات الجوية إذ طالته القذائف فأسقطته وأزالته من خارطة المدينة للأبد. وعلى المنوال ذاته، عانى جامع العجوزين من تداعيات الإنزال الجوي على المدينة، وبقيت صورته في تلك الحقبة توثيقاً لما خلّفته الحرب من أثر حتى على المواضع الدينية التي اعتاد الناس أن يجدوا فيها أماناً وسكينة.
أما باب الديواني فكان قبل الحرب يقوم في عز بهائه، تُحاذيه بنايات شامخة على حافة الأسوار العتيقة، لتكون الصورة مجتمعةً تعبيراً عن استمرارية عمرانية متصلة الحلقات. وقد طال الخراب هذه البنايات هي الأخرى جراء أحداث الحرب، فلم يبقَ من تلك الهيئة إلا ما احتفظت به الصور القديمة ووجدان أهل المدينة. وفي السياق العمراني نفسه، تبرز لقطات الأحياء السكنية القديمة المحاذية للسور، تلك الأحياء التي كانت في حالتها الأصلية قبل أن تشرع المدينة في إعادة التهيئة والترميم التي غيّرت بعض ملامحها وأعادت رسم حدودها.
ومن المعالم التي تروي قصة تحول بامتياز، يأتي فندق الحدادين الذي مرّ بأطوار متعاقبة تجسّد في حد ذاتها مسيرة المدينة ككل، إذ بدأ فندقاً يستقبل الزوار والمسافرين، ثم تحوّل إلى سوق الحدادين الذي عُرف به، قبل أن يرتقي لاحقاً إلى أن يصبح مركباً ثقافياً يجمع بين الفن والفكر والإبداع، كأن المكان أراد هو بدوره أن يُكمل مساره نحو خدمة الروح لا الجسد وحده.

وفي قلب المدينة الجديدة، يطل نهج الطيب المهيري في باب البحر بوجهه القديم قبل أن تمسّه يد الترميم، بينما يحمل نهج عبد القادر بدوره ملامح ما قبل التجديد، وكلاهما يُمثلان تلك المنطقة الوسطى التي كانت تربط بين المدينة العتيقة بأسوارها وأزقتها وبين الامتداد الحديث الذي كانت صفاقس تشق طريقها نحوه بخطى متأنية وواثقة.
تبقى هذه الصور في مجملها وثيقةً بصرية لا تُعوَّض، تُذكّرنا بأن المدن كالناس تماماً، تحمل في تجاعيد وجهها وندوب ذاكرتها كل ما مرّ بها من أفراح ومحن وتحولات.