بالمرصاتد نيوز – وطنية
بقلم محمد جمال الشرفي
منذ تأسيس قطاع السياحة المنظم في تونس مطلع سبعينيات القرن الماضي، رسّخت البلاد صورتها السياحية على معادلة بسيطة: الشمس والبحر والأسعار المنخفضة. وبعد مرور ستة وخمسين عامًا، لا تزال هذه المعادلة، في جوهرها، هي المهيمنة على المشهد السياحي الوطني. ومع ذلك، تُشير أرقام عامي 2025 و2026 إلى قصة نجاح باهرة. فقد بلغت عائدات السياحة 8,096.9 مليون دينار تونسي في عام 2025، بزيادة قدرها 6.5% مقارنةً بـ 7,599.7 مليون دينار تونسي في عام 2024، وتجاوزت تونس الرقم القياسي لعدد الزوار المسجل في عام 2019 بوصوله إلى 11 مليون زائر. وفي النصف الأول من عام 2026 وحده، تجاوزت العائدات 3.352 مليار دينار تونسي، أي ما يُعادل مليار يورو تقريبًا، بزيادة قدرها 8.3% على أساس سنوي. حددت الحكومة هدفًا يتمثل في استقبال 12 مليون زائر بحلول عام 2026، وتستعد تونس لتصبح عاصمة السياحة العربية في عام 2027.
إلا أن هذه الأرقام القياسية تخفي حقيقة أقدم وأكثر رسوخًا: نموذج لم يتغير جوهريًا. فما تقدمه تونس في عام 2026 يشبه، في هيكله، ما كانت تقدمه في عام 1970: عطلات شاطئية منخفضة التكلفة تتركز في سلسلة من المناطق الفندقية – الحمامات، وسوسة، وجربة، والمنستير – المصممة خصيصًا للسياحة الجماعية الأوروبية. صحيح أن نمو عدد الزوار والإيرادات حقيقي، إلا أنه يعكس في المقام الأول انتعاشًا بعد جائحة كوفيد-19، التي تسببت في انخفاض حاد في أعداد الزوار بين عامي 2020 و2022، وليس تحولًا في المنتج السياحي نفسه.
حوض البحر الأبيض المتوسط بنهج جديد
بينما عززت تونس مكانتها في قطاع السياحة الشاطئية منخفضة التكلفة، طورت دول الجوار والمنافسة لها في حوض البحر الأبيض المتوسط عروضها السياحية. اتجهت إسبانيا واليونان نحو السياحة الحضرية الراقية، وسياحة الطعام، والسياحة التراثية. وبنت المغرب صورةً لها كوجهة ثقافية وعلاجية حول مراكش وفاس، مع تطوير سياحة الأعمال والمؤتمرات في الدار البيضاء. وجمعت تركيا بين الشواطئ والتراث العريق وقطاع طبي متطور قادر على استقطاب المرضى من جميع أنحاء العالم بفضل عياداتها المعتمدة دوليًا.
في ظل هذا التطور الإقليمي، لا تزال تونس تُعرف في المقام الأول كوجهة سياحية تعتمد على الكم والسعر، لا على القيمة. وقد أقر وزير السياحة، سفيان تكايا، بأن الاستراتيجية الحالية تهدف إلى تحسين العروض وتنويع المنتجات السياحية من خلال الاستفادة من الخصائص الإقليمية، وهو ما يعني ضمناً الاعتراف بأن هذا التنويع لا يزال، في الوقت الراهن، هدفاً أكثر منه واقعاً.
أين السياحة الحديثة؟
السؤال الذي يطرحه العديد من المتخصصين في هذا القطاع بسيط: أين السياحة الثقافية أو العلاجية أو المتخصصة التي من المفترض أن تُغير النموذج التونسي؟ ومع ذلك، فإن التراث غنيٌّ ومتنوع. تُشكّل قرطاج، ومدرج الجم، ومدينة تونس القديمة، وقرى البربر في الجنوب، والمناظر الطبيعية الصحراوية التي شكّلت خلفيةً لتصوير أفلام عالمية، رصيدًا ثقافيًا هائلًا، لم يُستغلّ بالكامل بعد. ولا يزال هذا التراث يُعامل في كثير من الأحيان كرحلة اختيارية تُقدّم للسياح المقيمين في فنادق ساحلية، بدلًا من كونه منتجًا سياحيًا مستقلًا قادرًا على جذب النزلاء وتحقيق الإيرادات.
في المقابل، تُعدّ السياحة العلاجية مثالًا ملموسًا على التنويع الناجح، على الأقل من الناحية الكمية. إذ يتلقى أكثر من مليوني مريض أجنبي العلاج سنويًا في تونس في مجالات التخصيب في المختبر، والجراحة التجميلية، وعلاج الأورام، وأمراض القلب، وجراحة العظام. ويأتي ما يقارب 70% من هؤلاء المرضى من الجزائر وليبيا، و15% من أفريقيا جنوب الصحراء، و15% من أوروبا، مع نمو سنوي يُقدّر ما بين 10 و15%، وفقًا لممثلي الاتحاد التونسي للسياحة المهنية. يُقدّر متوسط إنفاق المريض الأجنبي بحوالي 3000 يورو، مقابل إجراءات طبية قد تكون تكلفتها أقل بعشر مرات من تكلفتها في أوروبا.
ومع ذلك، لا يزال هذا النجاح هشًا وغير متوازن. وتقرّ السلطات نفسها بأن تونس تمتلك إمكانات حقيقية، لكنها لم تكتسب بعد مصداقية كاملة في هذا القطاع، وذلك بسبب الصورة السلبية التي تُصوّرها بعض الدول في الخارج، ونقص النظافة والأمن في بعض المدن، وقلة عدد العيادات المعتمدة وفقًا للمعايير الدولية – وهو معيار يُعتبر أساسيًا لجذب المرضى من الدول المتقدمة. وقد ركّز اجتماع وزاري مشترك عُقد في أغسطس 2025 بين وزارات الصحة والتجارة والسياحة والأسرة تحديدًا على تطوير هذا القطاع.يفتقر هذا القطاع إلى استراتيجية وطنية واضحة، مما يُظهر أن هيكلته لا تزال قيد التطوير وليست أمرًا محسومًا.
سياحة مربحة، ولكن لمن؟
تتجلى ربحية النموذج الحالي، في المقام الأول، في مؤشرات الاقتصاد الكلي. تمثل السياحة نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي لتونس، ولا تزال أحد المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية، الضرورية لتمويل الالتزامات الخارجية وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، في ظل ارتفاع الدين العام. وتلعب عائدات العملات الأجنبية الناتجة عن العطلات الشاطئية التقليدية، فضلًا عن السياحة العلاجية، دورًا استراتيجيًا، وهو ما يُقر به الاقتصاديون والبنك المركزي التونسي نفسه.
إلا أن هذه الربحية الإجمالية تُخفي توترات أكثر دقة. فالسياحة الجماعية منخفضة التكلفة تعتمد غالبًا على هوامش ربح فندقية ضئيلة للغاية، واعتماد كبير على منظمي الرحلات السياحية الأجانب، وموسمية تُضعف فرص العمل في هذا القطاع. تُجسّد الزيادات السعرية الملحوظة في السنوات الأخيرة، والتي وصفها رئيس الاتحاد التونسي لوكالات السفر والسياحة بأنها مرتفعة للغاية قياسًا بالقدرة الشرائية للتونسيين، مفارقةً واضحة: قطاعٌ يشهد انتعاشًا ماليًا، لكن أرباحه تعود بالنفع في المقام الأول على عائدات العملات الأجنبية، بينما يكون تأثيره المباشر على مستوى معيشة السكان المحليين أقل بكثير. في المقابل، تُظهر السياحة العلاجية ربحيةً أعلى لكل مريض، إلا أن تطورها يعتمد على استثمارات ضخمة في بنية تحتية معتمدة، لم يُنفّذها القطاع الخاص بعد على مستوى البلاد.
في نهاية المطاف، لا يُمكن وصف المشهد السياحي في تونس عام 2026 بالفشل التام ولا بالنجاح التام. فهذا قطاعٌ تمكّن، رغم كل الصعاب، من التعافي وتجاوز مستويات ما قبل الجائحة، وحقق إيرادات قياسية، كل ذلك مع بقائه أسيرًا لنظامٍ وُضع في سبعينيات القرن الماضي. صحيحٌ أن السياحة الثقافية، والسياحة العلاجية، وغيرها من أشكال السياحة المتخصصة موجودة، إلا أنها لا تزال تنمو على هامش نموذج المنتجعات الشاطئية السائد، بدلًا من أن تحل محله. ومع ذلك، فإن الربحية ستعتمد على قدرة الدولة على تحويل عائدات النقد الأجنبي المؤقتة هذه إلى تحسن دائم في استقرارها الاقتصادي ومستويات معيشة سكانها – وهو تحدٍ تقدمه السلطات نفسها الآن باعتباره القضية الحقيقية للسنوات القادمة.
بالمرصاد نيوز أضواء على أهم الأنباء



