“ظاهرة الحراس الشخصيين في مسارح الثقافة: أمن أم استعراض قوة؟”.
Baha
أغسطس 10, 2025
وطنية
786 زيارة


بالمرصاد نيوز – مكتب تونس

بقلم الصحفي بدرالدين الجبنياني
“ظاهرة الحراس الشخصيين في مسارح الثقافة: أمن أم استعراض قوة؟”
في مشهد بات يتكرر كثيرًا خلال السهرات والمهرجانات الفنية، خاصة تلك التي تشهد عروض فناني الراب، لفت انتباه الجمهور مؤخرًا حضور وجوه غريبة عن الفضاءات الثقافية، وجوه ضخمة البنية، صارمة النظرات، ثابتة الخطى، تقف على خشبة المسرح خلف الفنان بأيدٍ متشابكة خلف الظهر، تنظر للجمهور بنظرات لا تخلو من الحدة والشراسة.
هذه ليست عناصر أمن نظامية، بل هم حراس شخصيون، غالبًا من أصحاب البنية الجسدية المبالغ فيها، يُعرفون عادة بمهامهم داخل الحانات أو الملاهي الليلية. لكنهم اليوم أصبحوا جزءًا من “الديكور الأمني” المرافق لبعض مغني الراب، في ظاهرة بدأت تأخذ طابعًا غريبًا ومقلقًا، خاصة حين يُنهي الفنان عرضه، فتراهم يحيطون به ويسحبونه كأنه “قطعة ثلج تذوب”، وكأن الجمهور في خطر لمجرد اقترابه أو رغبته في التحية.
الغريب في الأمر، أن هؤلاء الحراس لا يغادرون المنصة حتى أثناء العرض، ما يجعلهم جزءًا من المشهد العام للعروض الفنية، رغم أن وظيفتهم المفترضة – إن وُجدت – تنتهي بدخول الفنان إلى المكان. وهنا تُطرح أسئلة مشروعة: هل نحن بحاجة إلى هذا الاستعراض الأمني داخل فضاءات الثقافة؟ وهل تقتضي حماية الفنانين هذا التهويل المفرط؟
في واقع الأمر، تأمين العروض والفعاليات الثقافية هو مسؤولية أعوان الأمن العموميين، وليس مهمة حراس الحانات أو الملاهي. هؤلاء، ورغم صلابة حضورهم، يفتقرون غالبًا إلى التدريب المناسب للتعامل مع جمهور متنوع، من عائلات وأطفال وشباب، حضروا للاستمتاع لا للخوف أو الشعور بالتهديد.
ومن المفيد هنا التذكير بتجربة مشابهة من عقود خلت، حين استعان المنظمون في بدايات السهرات الصيفية بكلاب حراسة خلال العروض الفنية. آنذاك، أحدث وجود الكلاب رعبًا في صفوف الجمهور، ما دفع القائمين على المهرجانات إلى مراجعة القرار وسحب الكلاب من الفضاءات الثقافية، بعد أن ثبت أن أسلوب الترهيب لا يصنع الأمان، بل يدمر روح الاحتفال.
واليوم، ومع عودة هذه المظاهر في شكلها البشري، يتجدد النداء للسلطات المعنية، للحرص على احترام طابع الفضاءات الثقافية، وإبعاد كل ما يُشوّهها من ممارسات لا تمت بصلة لا للفن ولا للثقافة. فالمسارح ليست ساحات استعراض عضلات، والجمهور ليس خصمًا، بل هو شريك أساسي في نجاح كل تظاهرة فني