رغم العيون التي أدمعتها المشاهد، والأصوات التي ارتفعت بشعارات مؤثرة، لم تكن سهرة الفنان الفلسطيني محمد عساف ليلة أمس على ركح مهرجان قرطاج الدولي، مجرد حفل موسيقي، بل تحوّلت إلى وقفة فنية – إنسانية عنوانها الأبرز: “من قرطاج إلى غزة… كلنا مقاومة“.
محمد عساف، ابن فلسطين وصوته العابر للحدود، ظهر متأثراً بشكل لافت خلال أدائه باقة من أشهر أغانيه الوطنية، حتى ذرف الدموع أمام الجمهور، وهو يستحضر مشاهد الدمار والمآسي التي يعيشها أهله في قطاع غزة. كانت لحظات صادقة، لم يتكلف فيها الحزن، بل خرج من عمق وجدانه، متقاطعاً مع تفاعل جماهيري شعبي حمل رسائل تضامن لا تخطئها الأذن ولا العين، أبرزها الشعار الذي دوّى بين الحضور: “بالروح بالدم نفديك يا فلسطين“.
وقفة فنية لصالح غزة
ما يُحسب لعساف ومهرجان قرطاج أن مداخيل السهرة خُصصت بالكامل لمساعدة ضحايا العدوان على غزة، في مبادرة إنسانية ثمينة تؤكد أنّ الفن يمكن أن يكون وسيلة مقاومة، وصوتاً للحقّ حين يصمت العالم. لكنّ هذا البُعد النبيل لم يُترجم إلى حضور جماهيري كثيف كما جرت العادة في حفلات قرطاج.
حضور دون التوقعات… وأسباب متعددة
اللافت في السهرة كان العدد المتواضع للحضور، وهو ما ألقى بظلاله على أجواء الحفل، وترك انطباعاً “غير مرضٍ” لدى إدارة المهرجان التي كانت تراهن على عودة قوية للفنان الفلسطيني بعد غياب سنتين عن الساحة الفنية . ويبدو أن هذا الغياب، الذي جاء لأسباب شخصية، ساهم في تراجع الزخم الجماهيري حول عساف، لا سيما في ظل غياب الأعمال الفنية الجديدة التي عادة ما تُحرّك عجلة الترويج وتسويق الحفلات.
رغم ذلك، لم يمنع هذا الواقع الفنان من تقديم عرض صادق، بأداء قوي وإحساس عالٍ، جسّد خلاله انتماءه لقضية شعبه، ليؤكد من جديد أن محمد عساف ليس مجرّد فنان، بل سفير للوجع الفلسطيني وحنجرة لا تعرف الصمت أمام القهر.
قرطاج… نبض مقاومة
قد تكون سهرة محمد عساف قد شهدت حضوراً محدوداً، لكنها في جوهرها كانت قوية بأبعادها الرمزية والإنسانية. قرطاج، التي لطالما احتضنت أصواتاً من مختلف أنحاء العالم، أعادت أمس التأكيد على أن الفن الملتزم ما زال يجد صداه، حتى وإن قلّ جمهوره أحياناً.