أخبار عاجلة
الرئيسية / جهات و حوادث مرور / بنزرت حديث المقاهي.. إعلام العار وإعلام المجاري : الإعلام الحقيقي بريء منه…

بنزرت حديث المقاهي.. إعلام العار وإعلام المجاري : الإعلام الحقيقي بريء منه…

مكتب بنزرت

 

بقلم الإعلامي الحبيب العربي

 

كتب أحد الاصدقاء قبل أيام تدوينة عن حال الإعلام التلفزي في بلادنا وما تقدّمه القنوات الخاصة من مادة قال عنها انها فقط تساوي مستوى الضحالة والسذاجة والإستخفاف بعقل المتفرّج التونسي..

يومها، انا علّقت على تدوينته بقولي :

“ما ترونه في مثل هكذا قنوات خاصة من إنتاج، لا يمكن أن يرتقي إلى مستوى الإعلام المسؤول تجاه شعبنا الراقي، ولتنتظروا مني مقالا في الغرض..

واليوم وانا جالس بالمقهى، كانت إلى جانبي طاولة بها كهلان وشيخان يتحدثون عن المستوى المتدنّي الذي وصلت إليه المادة الإعلامية المقدَّمة في الكثير من تلفزاتنا وإذاعاتنا الخاصة على الخصوص..

وفيما هم منشغلون  و متحمّسون في حديثهم، لمحني أحدهم جالسا في الطاولة القريبة منهم فتوجه لي قائلا :

– يا أيها الصحفي الرصين، أفدنا بما لديك حول إعلام العار مع احترامنا للشرفاء منكم..

قلت :

– لقّبوه بإعلام العار في بلادنا في فترة ما بعد ما تُسمّى عندنا ثورة..

فالتسمية في بلادنا كانت الصحافة الشعبية التي تُسمى في بلاد الشرق والغرب الصحافة الصفراء اعتبارا لكونها كانت مركّزة أساسا في مادتها الإعلامية على شواغل عامة الناس تاركة في درجة ثانية نشاطات الدولة والحكومات والإدارة الرسمية..

ففي سبعينيات القرن الماضي خاصة، برزت جريدة البيان والانوار والإعلان، الاسبوعية كلها.. وحاذتها جريدة بلادي ثم من بعدها جميعا جاءت عناوين أخرى كالأيام والأخبار وغيرهما..

وكثيرة هي العناوين التي اندثرت سريعا..

كل هذا فيما بين آخر عقد من عهد الزعيم بورقيبه وفي العقد الأول من عهد قائد تحول السابع من نوفمبر، المرحوم بن علي..

في هذه الصحافة الصفراء نجحت وبرزت عديد الأسماء من الصحفيين الذين صرنا نطلق عليهم صفة “الكبار” أمثال المرحوم صلاح العامري، نجيب الخويلدي، نجيب الخطّاب، جمال الكرماوي، عبد الكريم قطاطه، الهادي السّنوسي، الحسين ادريس، الهادي الباهي، زُهيّر القمبري وغيرهم كثير..

كلهم كانوا في الصحافة المكتوبة كجرائد ومجلات كما كان بعضهم يعمل بمؤسسة الإذاعة والتلفزة آنذاك..

المادة الإعلامية لهؤلاء جميعا، بقدر ما كانت أقرب ما يمكن للمتلقّي، بالمقارنة مع مادة الوسائل الإعلامية الرسمية، بقدر ما كانت محترِمة للذوق العام للقراء والمتابعين ولناموس مجتمعنا المحافظ عامة..

ثم جاءت ما اسمَوها الثورة فكان ان انبعثت العناوين الجديدة كالفقاقيع بعنوان حرية الصّحافة والتّعبير وفسح المجال للإستثمار في الإعلام..

ونتيجة لذلك، ظهرت عشرات العناوين الجديدة للجرائد والمجلات، كما ظهرت بداية من 2011 الإذاعات والتلفزات الخاصة..

وهات يا مادة إعلامية أقل ما يقال عنها أنها مادة الفضائح والسّباب والشتم وتبادل التّهم..

وأبرز من كانوا في البلاطوهات التلفزبة والإذاعية وفي تحقيقات الجرائد هم السياسيون الذين امتلأت بهم ساحة تونس، وكل منهم يقدح في ماضي البلاد ورموزها، يطعن في الآخر المنافس له، ويحاول إبراز نفسه كبديل عن الجميع..

في مستوى التأثير على الرأي العام، هم نجحوا إلى حد كبير في اوساط المجتمع غير المتعلّم وقليل الثقافة والتكوين الإجتماعي والسياسي بدليل أحزابهم التي اسّسوها وروّجوا لها عبر الإعلام الخاص حتى كان للبعض منهم مكان في المجلس التأسيسي الجديد في بلادنا وتحت قبة مجلس النواب لاحقا..

لكنهم في معظمهم، ما صمدوا كثيرا وما استطاع منهم إلا القليل الإرتفاء لدفة الحكم..

هنا، في هذه الحقبة الزمنية، عرفت بعض وسائل الإعلام المرئية منها على الخصوص كيف تصمد وتثبت وجودها بالإعتماد على خط تحريري يقولون عنه أنه جريء ونقول عنه أنه فضائحي ليس إلا..

وبصفتَي الجرأة والفضائحية أقبل العدد الكثير من “سذّج” المتابعين على مادتهم، ورفضتهم فئة المثقفين الذين يدركون أنه على الإعلام مسؤولية أخلاقية اولا أساسها تقديم ما يفيد الناس وعمادها دون خدش الحياء أو تجاوز حد ما تربّينا عليه من محافظة اجتماعية بصورة عامة..

هنا أيضا برزت بعض العناوين التلفزية والإذاعية ببعض برامجها الكثيرة الوقاحة من ذلك مثلا البرنامجان الإذاعيان اللذان يتناولان المادة الجنسية والخيانة الزوجية والعاطفية وإقبال المستمعين على هذه المادة قليل..

ثم جاءت بلاطوهات التلفزة الخاصة التي استغلت “غياب” التلفزة الرسمية عن تقديم الإنتاج الذي يشد عادة عامة الناس بدسامته وعمق القضايا التي كان يتناولها لتطلع علينا مادة فيها إبعاد قاعدة حياد معدّي ومقدّمي البرامج وولاء محلليهم لجهات واطراف معينة على حساب اطراف وجهات اخرى في كل المجالات..

المحللون الخالصو الاجر ممن ينوبونهم في كل بلاطو بكل قناة تكاثر عددهم حتى صار كل من هب ودب بإمكانه أن يصير كرونيكور..

وكيف لا يحدث هذا وكل العملية هي شغلية !..

في خضم كل هذا ظهر الإنتاج السّخيف الذي يدّعي بأنه جاء لكشف المستور في مجتمعنا..

والمستور، المقصود به حملنا إلى عالم التيك توك وبيع الذمة والقمار والكباريهات والرقص والغناء في المطاعم والكافيشانطات.. والابطال المستضافون هم في معظمهم من النساء اللواتي بعنوان التحضر والتفتّح دخلن سوق الدعارة الملفوفة بقطن الحياء وبغطاء ادلء واجبات الصّلاة والزكاة والصوم وهن مغضوب عليهن من الأب والأم والأخ والأخت..

كل هذا، جعل ويجعل المتابعين المثقفين منا لسوق الإعلام في بلادنا يصفون المادة المقدّمة بأنها تندرج في باب إعلام المجاري..

“إعلامهم” هذا جعل البعض ممن كانوا مجرد مراسلين لصحف جدية من داخل الجمهورية يكتبون عن حفرة في طريق وعن فانوس عمومي في حي ما احترق ولم تصلحه البلدية..

هؤلاء، إعلام المجاري صنع منهم نجوما في الإذاعة والتلفزة وهم قبل حلول 2011 ما كانوا ليّذكَرون حين نذكر اقطاب ورموز الإعلام في بلادنا..

 

عن Baha

شاهد أيضاً

صفاقس في حقبة الأربعينيات والخمسينيات: صور من زمن التحولات الكبرى.

بالمرصاد نيوز  – صفاقس   بقلم محمد جمال الشرفي .تحمل صور صفاقس التي التقطت بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *