قرطاج، تونس – لم تكن الندوة الصحفية للدورة 59 لمهرجان قرطاج الدولي، المنعقدة يوم أمس الخميس 10 جويلية 2025 بالمسرح الأثري بقرطاج، مجرد إعلان عن تفاصيل المهرجان، بل تحولت إلى ساحة نقاش حامية، سادها الجدل والتساؤلات الحادة حول توجهات الدورة الجديدة للمهرجان، المقرر إقامته من 19 جويلية إلى 21 أوت 2025، يواجه تحديات غير مسبوقة، أبرزها غياب المدير الفني والجدل الذي أثير حول إلغاء عرض الفنانة الفرنسية هيلين سيغارا، فضلاً عن تحديات الميزانية و الموارد المالية لخزينة المهرجان . :غياب المدير الفني: رؤية جديدة وتساؤلات معلقة تجعل هذه الدورة سابقة في تاريخ المهرجان، حيث تُقام لأول مرة بدون مدير فني، مع تولي لجنة تنظيم مختصة بزمام الأمور. هذا القرار أثار نقاشًا بين الصحافيين حول الرؤية الفنية للمهرجان وكيف ستضمن اللجنة التناسق والابتكار في البرمجة. السيدة هند المقراني المديرة العامة للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، أكدت على تنوع البرمجة وانفتاحها على أنماط موسيقية مختلفة، وتقديم عروض تحتفي بتلاقي الثقافات. وأوضحت أن المهرجان يسعى من خلال هذه الرؤية إلى عكس روح العصر وتجديد دور قرطاج كمنارة ثقافية، بالرغم من بقاء تساؤلات حول كيفية سد الفراغ الذي يتركه غياب المدير الفني ذو الخبرة والرؤية الشاملة. “59تحمل الدورة الحالية لمهرجان قرطاج الدولي شعارًا جديدًا هو “قرط حدشت” (المدينة الجديدة)، صمّمه الخطاط التونسي عمر الجمني. كما يرفع المهرجان شعارًا ذا دلالات عميقة: “الانتماء والانفتاح والتضامن مع فلسطين”. هذا الشعار، الذي يعكس الموقف التونسي الراسخ تجاه القضية الفلسطينية، وجد نفسه على المحك مع قضية الفنانة الفرنسية هيلين سيغارا. فبعد أن كانت سيغارا مدرجة ضمن البرمجة المقترحة، قررت إدارة المهرجان العدول عن برمجة عرضها يوم الأربعاء 9 جويلية 2025، بعد موجة عارمة من الانتقادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي في تونس، التي اتهمت الفنانة بدعم إسرائيل/الكيان الصهيوني. من جانبها، نفت هيلين سيغارا بشدة في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية، أنها وقعت أي عقد لإقامة حفل في مهرجان قرطاج الدولي، معبرة عن “صدمتها” من إلغاء حفل لم يكن مبرمجًا من الأساس. إلا أن المديرة العامة هند المقراني أكدت خلال الندوة الصحفية أن المهرجان تواصل بالفعل مع إدارة أعمال الفنانة الفرنسية، وأن لديهم “ما يثبت ذلك”. وشددت المقراني على أن قرار إلغاء العرض يندرج في إطار التزام مهرجان قرطاج الدولي وموقف تونس الثابت والواضح في دعم الشعب الفلسطيني. البرمجة: أولية تونسية وطموحات تصطدم بالميزانية بالرغم من الجدل المحتدم: فقد تم خلال الندوة الصحفية الكشف عن تفاصيل البرمجة التي ستشمل عروضاً متنوعة. أقرّت المقراني بوجود قيود على عدد العروض التونسية، مشيرة إلى أن الفنان التونسي يحظى بـ”نصيب الأسد من حيث الحضور والمكانة”، لكن الميزانية المحدودة حالت دون برمجة عدد أكبر من العروض المحلية. فمن بين 20 سهرة يتضمنها برنامج الدورة، هناك 8 سهرات تونسية، مقابل 9 سهرات عربية وسهرتين من دول أجنبية.
الفنان محمد القرفي في سهرة الإفتتاح
من قاع الخابية
اللافت أيضًا هو غياب العروض الإفريقية عن البرمجة الرسمية، وهي سابقة في تاريخ المهرجان. وأوضحت المقراني أن هذا الغياب غير المعتاد يعود لضغوطات البرمجة وعدم توفر بعض الفرق والفنانين الأفارقة في توقيت المهرجان، مشيرة إلى إمكانية إدراج عرض إفريقي ضمن سهرة الفلكلور المبرمجة ليوم 11 أوت 2025. تقدر ميزانية هذه الدورة بـ8 ملايين دينار تونسي، منها 3 ملايين دينار دعم من الدولة. وهو مبلغ قالت المقراني إنه لا يغطي كل الطموحات في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج. وتسعى المؤسسة لتغطية جزء كبير من النفقات عبر بيع التذاكر والشراكات مع مؤسسات خاصة. أبرز محطات الدورة 59: تفتتح الدورة بعرض “من قاع الخابية” للفنان محمد القرفي يوم 19 جويلية. وتتضمن البرمجة أسماء فنية عربية وعالمية بارزة، إضافة إلى كوكبة من الفنانين التونسيين: * 19 جويلية: سهرة الافتتاح – من قاع الخابية لمحمد القرفي * 20 جويلية:
السجاد الأحمر 2 لرياض الفهري * 22 جويلية: عرض “بينومي S+1” لعزيز الجبالي * 25 جويلية: لطيفة العرفاوي * 26 جويلية: إبراهيم معلوف * 27 جويلية: محمد عساف – عرض “من أجل غزة” * 28 جويلية: سهرة تونسية (الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة المايسترو يوسف بلهاني) * 30 جويلية: ناصيف زيتون * 1 أوت: سهرة قائدي الأوركسترا * 2 أوت: نانسي عجرم * 3 أوت: شانتال غويا * 5 أوت: سانت ليفانت * 8 أوت: تخيّل – عرض موسيقي للفنان كريم ثليبي * 9 أوت: نجوى كرم * 11 أوت: سهرة فلكلورية * 13 أوت: صوفية الصادق * 16 أوت: مي فاروق – سهرة “أم كلثوم” * 17 أوت: كاي-ماني مارلي * 18 أوت: آدم * 21 أوت: سهرة الاختتام – الفنانة أحلام تخرج الدورة 59 لمهرجان قرطاج الدولي من ندوتها الصحفية محملة بتحديات كبيرة وتساؤلات جوهرية حول هويتها الفنية والتزامها بالقضايا الوطنية.
بين غياب المدير الفني، وجدل “هيلين سيغارا” الذي يؤكد على حساسية الموقف الوطني تجاه القضية الفلسطينية، يبقى المهرجان على موعد مع دورة استثنائية ستكون تحت المرقب الشعبي والإعلامي. كيف ستؤثر هذه التحديات على استقبال الجمهور للبرمجة، خاصة العروض التونسية وسهرة الافتتاح؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.