الرئيسية / مجتمع / من المسؤول؟ أزمة التواصل بين المربي والتلميذ: إلى أين؟

من المسؤول؟ أزمة التواصل بين المربي والتلميذ: إلى أين؟

        بالمرصادا نيوز – مجتمع

 

 

     بقلم صحفية الموقع شيماء اسماعيلي

       و الصحفي بدرالدين الجبنياني

في مشهد يتكرر مؤخرًا بشكل لافت، تقف الساحة التربوية في بلادنا أمام تساؤلات حارقة تتجاوز حدود المدرسة لتصل إلى عتبة كل بيت. تساؤلات تُطرح بإلحاح: ما الذي يحدث في مدارسنا؟ وكيف تحوّلت العلاقة المقدسة بين المربّي والتلميذ، التي لطالما كانت أساسًا لبناء الأجيال، إلى علاقة متوتّرة، محفوفة بالصدام، وسريعة الانفجار؟ بل، أين اختفى ذلك الجسر الرفيع من الثقة والاحترام المتبادل الذي كان يربط المعلم، التلميذ، وولي الأمر؟ منذ سنوات قليلة فقط، وتحديدًا بعد الثورة، بدأنا نلحظ تغيرًا جذريًا في المناخ المدرسي، تغيّر لم يتوقف عند التلميذ فحسب، بل مسّ كل الأطراف المعنية بالعملية التربوية. حوادث الشجار بين التلاميذ والمعلمين، طرد تلاميذ، اتخاذ إجراءات صارمة ضد مربين، احتقان أولياء الأمور، احتجاجات في ساحات المعاهد، تعاطف جماعي من التلاميذ… كلها مؤشرات لا يمكن الاستهانة بها. التواصل المفقود… أصل الداء؟ تبدو لغة التواصل قد اندثرت أو تحولت إلى صراع صامت بين أطراف كان يفترض أن تكون في صفّ واحد، لا على طرفي نقيض. خلافات تافهة، مواقف كان من الممكن تجاوزها بكلمة طيبة أو جلسة تفاهم بسيطة، تحوّلت إلى قرارات تأديبية، مقاطعة للدروس، واحتجاجات. كل ذلك يؤكّد أن هناك خللًا في آلية الحوار… خللًا في القدرة على الإصغاء، وعلى تفهّم وجهة النظر المقابلة. وكأنّنا نسينا أن المدرسة ليست ساحة معركة، بل بيتًا للعلم، للتربية، وللقيم. تلميذ أم ضحية؟ مربي أم متهم؟ وفي غمرة هذا الاحتقان، يبرز سؤال آخر: من الضحية؟ أهو التلميذ الذي ضاع مستقبله بين العقوبات والضياع؟ أم المربي الذي فقد هيبته؟ أم وليّ الأمر الذي لم يجد صوته مسموعًا في دهاليز المؤسسة التربوية؟ بعض التلاميذ، وللأسف، تجاوزوا كل الحدود، ليس فقط في قلّة الاحترام أو الشغب، بل في ممارسات مرفوضة وخطيرة مثل استهلاك الممنوعات داخل المؤسسات التعليمية، وجرّ زملائهم الجادين إلى مستنقع الانحراف. ظواهر تسربت إلى فضاءاتنا التربوية بهدوء، ثم تحولت إلى كابوس يؤرق كل غيور على مستقبل أبنائنا. لقدصرنا نسمع بين الحين والآخر عن تلميذ وراء القضبان، بسبب انجراره وراء تيار السموم البيضاء، أو عن مشادات بين أولياء ومديرين، كما حدث مؤخرًا في معهدي نابل والحمامات. فهل وصلنا إلى النقطة التي يجب أن نقرّ فيها بأن الوضع أخطر من مجرد “سوء تفاهم”؟ المدرسة مرآة المجتمع المدرسة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع. إنها صورته المصغرة. وما نراه اليوم في أقسامنا يعكس إلى حد كبير ما نعيشه في بيوتنا،

شوارعنا، وسلوكياتنا اليومية. حين يفقد المجتمع مرجعياته، تتصدع المدرسة. وحين يغيب القانون، يُفتح الباب أمام الفوضى… لا أحد يربح في هذه المعادلة. الجميع خاسر. التلميذ بحاجة إلى من يحتويه، لا من يقمعه. والمعلم بحاجة إلى من يعيد له اعتباره، لا من يتهمه. والأب والأم بحاجة إلى مؤسسة تثق بهم كما يثقون بها. فقط عندما تستعيد هذه الأضلاع الثلاثة ثقتها ببعضها، يمكننا أن نبدأ في إصلاح ما أفسدته السنوات العجاف.

 نداء قبل فوات الأوان

ليس هذا المقال دعوة لتبادل التهم، بل هو صيحة يقظة، دعوة لكل من يملك ذرة مسؤولية أن يتحرك. إنّ مستقبل أبنائنا ليس مجالًا للمزايدات، بل هو أمانة، وكلّ تفريط فيها سيحاسبنا عليه التاريخ قبل القانون.

نحتاج إلى إعادة الاعتبار للحوار، إلى تكوين لجان استماع داخل المدارس، إلى فتح أبواب المديرين للأولياء، إلى دورات تأهيلية للمربين، إلى تربية نفسية واجتماعية للتلاميذ، وإلى قانون يحمي الجميع دون تمييز. نحتاج إلى أن نفهم قبل أن نحكم، وأن نبني قبل أن نهدم.

لعل هذا المقال يكون بداية نقاش وطني حقيقي يعيد للمدرسة هيبتها، وللمربي مكانته، وللتلميذ كرامته. فلنتواصل، قبل أن نتناحر. ولنُصلح، قبل أن نندم.

عن Baha

شاهد أيضاً

“حينما تُغتال البراءة في صفحات القصص”.

بالمرصاد نيوز – مكتب تونس بقلم صجفية الموقع شيماء          الإسماعيلي من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *