بالمرصاد نيوز – نجوم و فنون
تغطية و متابعة بولبابة العيدودي
في أقصى الجنوب التونسي، حيث تتكئ الجبال على بعضها كأنها تحفظ سرّاً قديماً، وحيث تنام الذاكرة في حجارة البيوت وتستيقظ في الحكايات والأغاني والعادات، تفتح تمزرط، من معتمدية مطماطة بولاية قابس، أبوابها من جديد على موعد ثقافي وتراثي يحمل الكثير من عبق المكان وخصوصيته. إنه مهرجان تمزرط في دورته الرابعة والثلاثين، الذي ينتظم أيام 14 و15 و16 أوت 2026، ليكون أكثر من مجرد تظاهرة صيفية؛ فهو احتفال بقرية اختارت أن تجعل من تراثها جسراً بين الماضي والحاضر، ومن ذاكرتها مادة حيّة للأجيال القادمة. وتقف وراء هذا الموعد جمعية حماية التراث بتمزرط، وهي جمعية جعلت من المحافظة على الموروث الثمين للمنطقة رسالتها الأساسية، وراكمت على امتداد السنوات تجربة مهمة في التعريف بخصوصيات تمزرط الثقافية والمعمارية والاجتماعية. وقد أكدت مصادر ثقافية رسمية أن الجمعية سبق أن نظمت دورات للمهرجان تضمنت ورشات للتراث والعادات الغذائية التقليدية، والكتابة الأمازيغية، والنقائش والرموز، إلى جانب ندوات حول التراث المعماري الجبلي والبيئة. تمزرط ليست مجرد قرية جبلية جميلة؛ إنها ذاكرة معلقة بين الصخور والسماء. في أزقتها، وفي ملامح عمارتها، وفي لباس أهلها ومطبخهم التقليدي وأغانيهم وأعراسهم، تتجسد طبقات متراكمة من التاريخ والهوية. ولهذا يصبح المهرجان مناسبة لاستعادة تلك التفاصيل الصغيرة التي تكاد تضيع في زمن السرعة. والجميل في تجربة تمزرط أن التراث فيها لا يُقدَّم باعتباره قطعة متحفية صامتة، بل باعتباره كائناً حياً يستطيع أن يتحدث ويغني ويرقص ويصنع الفرجة ويستقطب الزائر. وقد سبق للمهرجان أن احتضن عروضاً فنية وفولكلورية وورشات ومعارض ومسابقات وندوات فكرية، بما يعكس هذا التصور للتراث بوصفه ثقافة معيشة لا مجرد ذكرى. وفي زمن تبحث فيه الجهات الداخلية عن مسالك جديدة للتنمية الثقافية والسياحية، يمكن لمهرجان تمزرط أن يكون نافذة واسعة على المنطقة، وأن يساهم في التعريف بجمالياتها وموروثها، وربط الثقافة بالسياحة وبالاقتصاد المحلي، خصوصاً أن مطماطة وتمزرط تنتميان إلى فضاء جنوبي غني بالمقومات الطبيعية والتراثية. وقد أكدت تغطيات حديثة لمهرجانات المنطقة أن التراث يمثل عنصراً أساسياً في تعزيز جاذبية مطماطة كوجهة سياحية وثقافية. 14 و15 و16 أوت 2026 ليست مجرد ثلاثة تواريخ على رزنامة الصيف؛ إنها ثلاثة أيام تضع فيها تمزرط ذاكرتها في الواجهة، وتقول للزائر إن الجبل لا يزال قادراً على صناعة الفرح، وإن التراث حين يجد من يحميه ويؤمن به لا يتحول إلى ماضٍ، بل يصبح مشروعاً للمستقبل. تمزرط تحتفل… والجبل يصغي… والحجر يستعيد صوته… والذاكرة، التي كادت أن تغفو، ترتدي لباس العرس من جديد. إنها حكاية جمعية تحمي التراث، ومهرجان يحرس الذاكرة، وقرية تؤمن بأن أجمل ما يمكن أن تورثه للأجيال ليس الأشياء وحدها، بل القدرة على تذكّر من نكون.
ا
ا
بالمرصاد نيوز أضواء على أهم الأنباء


