بالمرصاد نيوز – نحوم و فنون
بقلم الإعلامي بولبابة العيدودي
ليس كل من يقف على خشبة المسرح ممثلاً، وليس كل من يروي حكاية حكواتياً. فهناك من يمنح الشخصية نبضها، ويهب الكلمة روحها، ويحوّل العرض إلى تجربة إنسانية لا تغادر ذاكرة المتلقي. هكذا يبدو الفنان المسرحي طارق الزرقاطي، ابن مدينة سوسة، الذي اختار منذ بداياته أن يسلك طريقاً فنياً لا يشبه إلا نفسه، جامعاً بين المسرح وفن الحكواتي والدراما التلفزية والإنتاج المسرحي، ليصنع لنفسه مكانة راسخة في المشهد الثقافي التونسي. منذ خطواته الأولى، أدرك الزرقاطي أن المسرح ليس مجرد خشبة وإضاءة وستارة، بل هو فضاء للحياة، ومنبر للأسئلة الكبرى، ومرآة تعكس المجتمع بأحلامه وانكساراته. لذلك جاءت أعماله متجاوزة حدود الترفيه، لتصبح رحلة في أعماق الإنسان، حيث يمتزج الواقع بالخيال، والنقد بالسخرية، والحكمة بالبساطة. ولعل أكثر ما يميز تجربته هو وفاؤه لفن الحكواتي،
ذلك الفن العربي العريق الذي كاد يختفي أمام سطوة الوسائط الحديثة. أعاد إليه الحياة، ونفض عنه غبار الزمن، وقدم الحكاية الشعبية بلغة معاصرة دون أن يفقدها أصالتها، فكان صوته امتداداً لأصوات الرواة الذين حفظوا ذاكرة الشعوب، ونقلوا القيم والحكايات من جيل إلى آخر. وعلى شاشة التلفزة الوطنية التونسية، استطاع طارق الزرقاطي أن يثبت أن الممثل الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج ليترك أثره. فقد تنقل بين شخصيات متعددة، ونجح في منح كل دور خصوصيته، معتمداً على أداء هادئ وعميق، يجعل الشخصية تبدو وكأنها تعيش خارج حدود النص. غير أن تجربته لا تتوقف عند التمثيل، بل تمتد إلى الإنتاج المسرحي، وخاصة المسرح الموجه إلى الطفل. فقد آمن بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء خياله، وأن الطفل الذي يدخل المسرح صغيراً سيغادره مواطناً أكثر وعياً وجمالاً. لذلك جاءت أعماله المخصصة للأطفال غنية بالقيم الإنسانية، ومفعمة بالخيال والفرجة، بعيداً عن الوعظ المباشر أو التلقين. وكان عام 2026 محطة جديدة في مسيرته الفنية، حيث واصل عطاءه بإنتاجات تؤكد حيوية مشروعه الإبداعي. فقد قدم مسرحية “عجائب آخر الزمان”، التي تتكئ على السخرية الذكية لتفكيك تناقضات الواقع، وتضع المتفرج أمام مرآة تعكس مفارقات العصر، كما أنجز مسرحية “الشيطان في خطر”، المقتبسة عن أحد أعمال الأديب العربي الكبير توفيق الحكيم، في خطوة تؤكد إيمانه بأن النصوص الخالدة قادرة على أن تولد من جديد كلما لامست قضايا الإنسان المعاصر. ولا يمكن الحديث عن طارق الزرقاطي دون التوقف عند شغفه بالمغامرة الفنية. فهو لا يبحث عن النجاح السريع، بل عن العمل الذي يبقى، وعن العرض الذي يثير التفكير، وعن الشخصية التي تترك أثراً في وجدان المشاهد. لذلك ظل وفياً لقناعته بأن المسرح رسالة قبل أن يكون مهنة، وأن الفنان مسؤول عن نشر الوعي والجمال في زمن تتسارع فيه التحولات. ورغم ما يعيشه المسرح التونسي من تحديات إنتاجية وثقافية، ظل الزرقاطي مؤمناً بأن الإبداع الحقيقي لا تحده الإمكانات، بل تغذيه الإرادة. لذلك واصل العمل بإصرار، مقدماً أعمالاً تثبت أن المسرح ما زال قادراً على أن يكون مساحة للحلم،
ومنبراً للحوار، وبيتاً للأسئلة التي تؤرق الإنسان. إن تجربة طارق الزرقاطي ليست مجرد سيرة فنان، بل هي حكاية وفاء للمسرح، وإيمان بالكلمة، وانتصار للثقافة في زمن يميل إلى الاستهلاك السريع. إنه من أولئك الذين يكتبون حضورهم بالفعل لا بالضجيج، ويتركون بصمتهم في ذاكرة الجمهور بصمت الواثق من رسالته. واليوم، وهو يواصل تقديم مشاريع جديدة ومتنوعة، يثبت طارق الزرقاطي أن الفنان الحقيقي لا يتقاعد من الحلم، ولا يتوقف عن البحث، بل يظل يفتح أبواباً جديدة للإبداع، ويكتب فصولاً أخرى من حكاية ما زالت تتجدد، عنوانها الدائم: المسرح حياة… والحكاية لا تنتهي.
بالمرصاد نيوز أضواء على أهم الأنباء




