

بالمرصاد نيوز –

بقلم الصحفي و صاحب الموقع
بدرالدين الجبنياني
تتجه الأنظار غداً إلى قطاع النقل غير المنتظم (التاكسي الفردي، الجماعي، السياحي، اللواج، والنقل الريفي)، الذي يستعد لخوض إضراب عام احتجاجي. وفي الوقت الذي تواصل فيه وسائل النقل العمومي عملها بصفة طبيعية، يطرح هذا التحرك تساؤلات جوهرية حول الجدوى الاقتصادية لهذا التصعيد، خاصة في ظل الظرف المعيشي الدقيق الذي تمر به البلاد.
جدلية المداخيل: بين الإضراب والالتزام المهني
يعد قطاع النقل الخاص الأكثر تضرراً من خيارات الإضراب؛ فخلافاً للقطاعات الأخرى، يرتبط الدخل اليومي للسائق بمعدل نشاطه الميداني. لذا، فإن الإضراب لا يعني فقط التوقف عن العمل، بل يعني “بطالة إجبارية” تؤدي إلى استنزاف المداخيل. ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة لقراءة أكثر واقعية، حيث يدرك أصحاب المهنة أن استمرار الإضراب لفترات طويلة قد يرتد عليهم بخسائر مادية لا طاقة لهم بها، مما يجعل من تحديد مدة الإضراب “بأقل ما يمكن” خياراً اضطرارياً لا مفر منه لضمان عودة سريعة للنشاط.
ملف التعريفة: نحو حلول توافقية لا تثقل كاهل المواطن

في قلب هذا الاحتقان، يبرز ملف “الزيادة في التعريفة” كعقدة أساسية. ورغم مشروعية تطلعات المهنيين في تحسين مداخيلهم لمواجهة غلاء المعيشة، إلا أن المنطق الاقتصادي يفرض ضرورة التبصر؛ فرفع التعريفة بشكل “مشط” قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث قد يعزف المواطن عن استخدام سيارات الأجرة، مما يقلص حجم الطلب وبالتالي يضرب مداخيل السائقين في مقتل.
إن الحل لا يكمن في فرض زيادات تثقل كاهل المواطن التونسي الذي يواجه بدوره ضغوطات اقتصادية كبيرة، بل يكمن في البحث عن “تعريفة معقولة ومدروسة”. إن الحوار الجاد بين الغرف النقابية وسلطة الإشراف يجب أن يتجه نحو تحقيق التوازن؛ بحيث تضمن الزيادة تحسين وضع السائق، وفي الوقت ذاته، تكون مقبولة ومتاحة للقدرة الشرائية للمواطن، بعيداً عن منطق “الزيادات الصادمة” التي قد تخلق فجوة كبيرة بين المهنيين وحرفائهم.

بين دور السلطة ومخاطر العشوائية
في المقابل، لن تقف وزارة النقل مكتوفة الأيدي؛ حيث ينتظر أن يتم تفعيل خطط طوارئ لتأمين الحد الأدنى من تنقلات المواطنين. لكن الخطر الحقيقي يكمن في بروز ممارسات غير قانونية، حيث قد يندفع البعض للعمل “خارج الإطار الشرعي” عبر نزع العلامات المميزة، وهو سلوك يضر بسمعة القطاع ويزيد من الفوضى في الشوارع.
ختاماً، إن الإضراب أداة ديمقراطية للمطالبة بالحقوق، لكنه يظل سلاحاً ذا حدين. والمسؤولية اليوم تقع على عاتق الغرف النقابية لتقديم “منطق معقول” في ملف التعريفة، بعيداً عن المطالب المتصلبة، لضمان استمرارية القطاع من جهة، والحفاظ على السلم الاجتماعي من جهة أخرى، لاسيما أن المواطن التونسي لم يعد يحتمل مزيداً من الأعباء المادية في رحلة تنقله اليومية.