عراقة الطرب في حضرة التاريخ: ميادة الحناوي تُحيي أمجاد الأغنية الأصيلة على ركح قرطاج.
Baha
14 ساعة مضت
نجوم و فنون, وطنية
73 زيارة

الفنانة ميادة الحناوي

بالمرصاد نيوز – نجوم و فنون

تغطية و متابعة صحفية الموقع
شيماء اسماعيلي
صور مريم الذوادي
يقف المتابع للمشهد الثقافي والفني أمام محطات كبرى تعيد الاعتبار للذائقة الأصيلة، ولعل السهرة التي احتضنها المسرح الأثري بقرطاج ضمن دورته الستين قد تجسدت فيها أسمى معاني الوفاء للطرب المتبوع بسحر الأداء. فقد شهدت هذه الليلة الفنية استهلالاً لافتاً للأنظار وقعه الفنان الشاب محمد خيري، الذي أثبت باقتدار أن حنجرته الحاملة لعبق التراث قادرة على شق طريقها بثبات وسط الساحة الغنائية. نجح خيري في الإبحار بالحاضرين عبر بساتين القدود الحلبية، مستعرضاً طاقات تعبيرية وخامات

صوتية ذكرت العارفين ببدء مسيرات العمالقة، ليؤكد أن جذور الطرب الأصيل ما زالت تفرخ براعم واعدة قادرة على حمل الأمانة. ولم تكن هذه البداية سوى تمهيد وجداني لاعتلاء إحدى أهم قمم الغناء العربي، الفنانة الكبيرة ميادة الحناوي، التي تحول ظهورها على الخشبة إلى موعد استثنائي مع التاريخ وجسر يربط الحاضر بأمجاد الحقبة الذهبية للموسيقى العربية. إن مجرد حضور صوت بحجم ميادة في هذه التظاهرة العريقة يعد في حد ذاته حدثاً استثنائياً، داحضاً كل الأقاويل والتشكيكات، ومؤكداً أن الفن الراقي

الفنان السوزري محمد خيري
يظل عصياً على النسيان. ومع أن تعاقب السنين يترك بصماته الطبيعية على المدى الصوتي، إلا أن هيبة الحضور ودفء الإحساس وعمق الأغاني الخالدة التي صنعت مجدها كفيلة برسم لوحة من الشجن الجميل الذي أسر الآذان وأطرب الإحساس. وفي هذا السياق، يبدو أن الفنانة القديرة ميادة الحناوي، وأمام مسيرتها الفنية الثرية التي تجاوزت الثلاثة عقود، قد تضع النقاط على

الحروف، خاصة مع ما يتردد حول كونها فنانة ذكية قد تعلن اعتزالها الفن بعد هذه السهرة المدوية على ركح قرطاج الأثري، وكأنها تختار أن تودع جمهورها من قمة المجد وعلى أعرق المسارح. لقد جسد التفاعل الجماهيري الكبير مع هذه الأمسية دليلاً قاطعاً على أن الجمهور العريض لا يزال متعطشاً للفن الحقيقي المرتكز على الكلمة الراقية واللحن الأصيل. إن إطلالة ميادة الحناوي في

هذا المحفل الدولي لا تمثل مجرد استعراض لمسيرة فنية حافلة فحسب، بل هي بمثابة الاحتفاء بالزمن الجميل الذي أنجب أقطاب الغناء في الوطن العربي، ليظل مهرجان قرطاج منارة تحفظ العهد للرواد وتفسح المجال أمام الأصوات الشابة لتخطو نحو المجد بخطى ثابتة ومدروسة.