نساء تونس في عيدهن الوطني: درع الوطن الحصين.. صمود يتحدى الصعاب، وإجلال لشهيدات لقمة العيش في الريف
Baha
50 دقيقة مضت
وطنية
6 زيارة
يطل علينا الثالث عشر من أوت من كل عام ليجدد فينا نبض الوفاء لمحطة استثنائية في تاريخنا المعاصر؛ إنه عيد المرأة التونسية، الموعد المتجدد الذي لا يقتصر على استعراض المكتسبات والتشريعات، بل هو وقفة إجلال أمام ملحمة يومية ترسمها نساء تونس في مختلف ربوع الوطن. فمن قاعات القرار إلى قسوة الأرض وظلال البطالة والمرض، ومن مسالك الموت
في الأرياف إلى رحاب الإبداع والفكر، تثبت المرأة التونسية أن العطاء ليس مجرد دور، بل هو عقيدة حياة وإرادة فولاذية لا تلويها الرياح، لتبقى بحق نبض المجتمع و ركيزة استمراريته.
شرائح نساء تونس: تنوع الثرى وشموخ المواقع
حين نتأمل المشهد التونسي في هذا اليوم الأغر، تتراءى لنا فسيفساء فريدة من نوعها، تضم شرائح واسعة ومتنوعة من النساء اللاتي يشتركن جميعهن في جينات التحدي والرغبة الجامحة في النجاح.
المرأة المسؤولة والموظفة: كفاءة في إدارة الدواليب وتحديث الإدارات
في الواجهة الإدارية والمهنية، تقف المرأة المسؤولة والموظفة كنموذج يقتدى به في الصلابة وحسن التسيير. لم تعد مشاركة المرأة في مواقع القرار والوظيفة العمومية والخاصة مجرد رقم في الإحصائيات، بل أصبحت ركيزة أساسية تقوم عليها دواليب الإدارة والمؤسسات. إن الإطار النسائي والمديرات والموظفات يثبتن يومياً قدرة فائقة على الجمع بين متطلبات العمل المهني المعقد والمسؤوليات المجتمعية، مؤكدات أن الجدارة والكفاءة هما المعيار الحقيقي للتميز.
. شريكة الدرب: السند العضدي في مواجهة المسؤوليات الثقيلة
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للمرأة التي تقف جنباً إلى جنب مع شريك حياتها في مواجهة قساوة ظروف المعيشة والمسؤوليات الثقيلة. إنها الزوجة التي تتحمل مع زوجها أعباء اليوميات الصعبة، لتكون بحق سنداً عضدياً يخفف وقع الأزمة الاقتصادية، ويدير ميزانية الأسرة بحكمة بالغة لضمان استقرار العائلة وسكينة الأبناء.
. زوجة المريض والمعيل المفقود: ملحمة الصبر وصمود الأمل
وتتجلى أسمى معاني التضحية حين تنفرد المرأة بحمل أثقال الأسرة كاملة، لا سيما في حالات بطالة الزوج أو بقائه في البيت رهين مرض مرهق ومزمن يعيقه عن العمل. هنا تخرج المرأة من صفوف الدعم إلى صفوف القيادة الميدانية للأسرة، فتحمل على عواتقها أعباء الرعاية والإنفاق معاً، وتتحدى كل العراقيل لتوفير قوت أبنائها وضمان مصاريف دراستهم، عازمةً على ألا تدع ظروف المرض أو العطالة تنال من مستقبل أطفالها أو تهزم كرامة العائلة.
. المرأة الريفية: حارسة الأرض وملحمة “شاحنات الموت”
وفي أعماق الريف التونسي، تكتمل الصورة شموخاً وألماً في آن واحد معاً ببطولات المرأة الريفية؛ تلك التي تعقد عهداً أبدياً مع الأرض وخدمتها، متخندقةً في صفوف الكفاح الأولى.
غير أن الحديث عن المرأة الريفية لا يستقيم دون الوقوف بخشوع أمام ضريبة الدم التي تدفعها هؤلاء النسوة بحثاً عن لقمة العيش الكريمة. إن مشاهد تنقلهن اليومي نحو الضيعات الفلاحية في ظروف يعلمها الجميع قاسية ومحفوفة بالمخاطر – عبر وسائل نقل تقليدية وغير مهيأة وغالباً ما تُعرف بـ “شاحنات الموت” – تظل جرحاً نازفاً في ضمير المجتمع. لقد ذهبت تلك الحوادث الأليمة بحياة العديد من النسوة الكادحات اللاتي كن يحملن على أكتافهن أحلام عائلاتهن، لتبقى تضحياتهن الدامية شاهداً صارخاً على حجم القهر والشقاء الذي تواجهنه بصمت شجاع، وعلى الحاجة الملحة لضمان كرامتهن وسلامتهن وحقوقهن الاجتماعية كاملة غير منقوصة. إنها لا تكتفي بإنتاج الغذاء وحماية التراث البيئي، بل تحارب الفقر والعزلة لتأمين قوت أبنائها وتكاليف تعليمهم، عاكسةً بذلك صلابة منقطعة النظير رغم مرارة الواقع.
المبدعة والمبتكرة: سفيرة الجمال والريادة في المعارض والملتقيات
وإلى جانب هذا الكفاح الميداني والاجتماعي، تتألق المرأة التونسية في ميادين الفن والإبداع، والخلق والابتكار. فقد أثبتت حضورها اللافت في المعارض الوطنية والدولية، والملتقيات الثقافية والفنية، مقدمةً أعمالاً راقية تعكس عمق الهوية التونسية وانفتاحها على حداثة العصر. إن المبدعة التونسية تؤكد في كل مناسبة أن الفكر والريادة هما وجهان لعملة الصمود والتقدم.
تحديات راهنة وإرادة لا تلويها الصعاب
إن الاحتفال بالثالث عشر من أوت هو في أصله احتفاء بإرادة التمسك بالنجاح مهما غلت التضحيات. فبرغم قساوة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وتعدد الجبهات التي تخوضها المرأة التونسية – سواء في الإدارة، أو في رعاية الزوج المريض، أو في مسالك العمل الريفي الشاقة، أو في فضاءات الإبداع – تظل المرأة التونسية متمسكة بروح المبادرة والرغبة الأكيدة في النجاح في كل نشاط تنشط فيه.
عهد الوفاء لصانعات الحياة
إن نساء تونس، بكل شرائحهن ومواقعهن، لسن فقط نصف المجتمع، بل هن الروح التي تبث الحركة والرجاء في مفاصل الوطن. فنساء بلادي نساء ونصف؛ يثبتن في كل يوم أنهن الركيزة الأساسية لاستمرارية هذه الأمة. في عيدهن الوطني، نقف جميعاً لنحيي فيهن هذه الروح الوثابة، مستذكرين بحنو ووفاء دماء الكادحات اللاتي قضين في دروب العمل، ومؤكدين أن تونس ما كانت لتصمد أمام هزات الزمن لولا سواعد نسائها اللاتي جعلن من الصعاب سلماً للارتقاء، ومن التحدي عنواناً للوجود.
كل عام ونساء تونس، مربيات الأجيال، وسند الوطن، وحارسات الحلم والجمال، بألف خير.